الموقع قيد التحديث!

الصّلاة

بقلم الكاتب العلّامة محمد خليل الباشا – لبنان
من كتابه: الإنسان وتقلّبه في الآفاق ص 23

يحتاج الإنسان من حين إلى آخر، إلى فترة من الهدوء والرّاحة، يلتقط فيها أنفاسه، ويحاسب ضميره، ويتذكَّر أنّه إنسان لا حيوان، وأنّ القانون الأدبيّ يجب أن يأخذ مجراه، فلا تكون حرّيّته أقلّ قيمة من سليقة العجماوات، ويتذكَّر أنّ في أعماقه جوهرًا إلهيًّا ليس من معدن المادّة، ولا هو في مستواها، بل يختصّ لعالم أعلى من عالم المادّة وأسمى، ويتذكّر أنّه ليس في الوجود شيء خُلق عبثًا، بل له مهمّة وُجد لإنجازها، وغاية وُجد من أجلها، فيسأل نفسه: ما هي مهمّته في الحياة؟ ولماذا وُجد فيها؟ فلئن اهتدى إلى الجواب، فليباشر العمل لكي لا يكون كلًّا[1] على الحياة، ولكي يُرضي نفسه ويرضي الله، وإن لم يهتدِ، أليس عليه أن يسأل الله سيّد الكون وخالقه ومدبّره، أن يهديه إلى طريق غيره.

هذا السّؤال وحده إذا صدق وصفت النّيّة فيه يكفي لتمهيد الطّريق. إنّه الخطوة الأُولى نحو الصّلاة، والله يتقبّلها في بساطتها فهو أب غفور رحيم، وإلهُ محبّةٍ فائضةٍ غامرة، يشمل برحمته كلّ عباده، الصّالحين والطّالحين، فيهدي هؤلاء، ويفرِّح أولئك، ولا يكلِّفهم إلًا أن يفتحوا قلوبهم لفيض حبّه الإلهيّ، وعقولهم لحكمته الإلهيّة، وضمائرهم لعدله السّماويّ.

الصّلاة وسيلة وقُربى من الله، لإنّها اتّصال بين الرّوح وربّها، فمتى توجّه المرء إلى الله بعقله وقلبه وجوارحه، تتولّد فيه طاقة روحيّة هائلة، ويشعر بنشاط قويّ وسيطرة تامّة على الجسد، واتّقادٍ في البصيرة، ونُضجٍ في الشّخصيّة، وسعادة في الأعماق، وانعتاق من الأنانيّة والخوف، وتسامٍ في الرّوح.

تحتاج الرّوح إلى هذا التّسامي، وإلى نعمة الله، كما يحتاج جسمه إلى الطّعام والشّراب والهواء والنّور، والصّلاة هي الطّريق المباشرة إلى ذلك، فإنّ لها علاقة بالنّظام الكونيّ الّذي نحن جزءٌ منه لا يتجزّأ. كما أنّ لحركات عقلنا المتوافقة معه أثرًا فعّالًا، ولرغباتنا السّامية أصداء وتجاوبًا في جنبات الكون.

إنّني أريد أن يدرك هذا جميع النّاس، لأن المعرفة يجب أن تكون في متناول كلّ راغب، فنقول بلغة العصر، إنّ ما يصدر عن الدّماغ من أفكار، وعن القلب من مشاعر، وعن أجهزتنا العصبيّة من إحساس، إنّما هي نوع من الإرسال الطّاقيّ الّذي يذهب بعيدًا في الكون، كموجات الرّاديو والتّلفزيون واللّاسلكيّ، الّتي تدور حول الأرض في ثلث ثانية، وكالإشعاعات المختلفة المنبثّة في هذا الكون، وكما أنّ في هذه توتُّرًا  عاليًا وتوتُّرًا منخفضًا، وأطوالًا قصيرة وأطوالاً طويلة، وفيها ما هو نافع، وفيها ما هو ضارٌّ، يوجد كذلك مثلها في الموجات الصّادرة عنّا من فكر أو شعور  أو إحساس أو قول، وفي هذا الصّعيد نجد أنّ ما هو موجَّهٌ إلى الله في صلاتنا الصّادقة له أثرٌ عظيم ومردوده يعود خيرًا علينا، وفي هذا المجال يمكننا أن نميّز بين الذّبذبات الضّارّة الّتي يرسلها الغضب والكره والحسد والطّمع ونحوها، والذّبذبات المفيدة الخيِّرة الّتي ترسلها المحبّة والعطف والعطاء والمساعدة، وترسلها الصّلاة الحارّة الصّادقة المفعمة بهذه الصّفات.

خير أوقات الصّلاة الصُّبح، ومع طلوع الشّمس، فالرّوح تكون عندئذٍ على أرقى ما تصل إليه من الهدوء، والعقل في أرقى مستوى للتّفكير، والجسد يتمتّع بأعلى طاقاته، فتكون الصّلاة في هذا الوقت فاعلة في تقويم اعوجاج النّفس، وإذا تضمّنت الصّلاة بعض المطالب فلتكن ممّا يخرج من التّوافه الدُّنيويّة، وعمّا يخالف العدالة الإلهيّة، والقوانين العامّة.

قال السّيّد المسيح (ع س): “إنّ أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسأله” فهذه العبارة تقرّر واقعًا وهو أنّ الله سبحانه يعلم ما الصّدور، فيعلم كلّ ما يحتاجون إليه، ولكنّ هذا القول لا ينهى عن الطّلب، كما يفسّره بعضهم، بل يبقى الطّلب ضروريًّا نظرًا لسببيْن مهمّيْن:

  1. لأنّ الطّلب يدلّ على الخضوع لله، وعلى الإقرار بقدرته، وبالحاجة إليه.
  2. لأن الإنسان الّذي أعطاه الله الحرّيّة في الفكر والقول والعمل، وجعله في الأرض سيّدًا، فقد جعله من ناحية أخرى مسؤولًا عمّا يفكّر ويقول ويعمل، هذا يعني أنّ عليه أن يطلب لكي يمارس هذه الحرّيّة، وأن يتحمّل النّتائج النّاجمة عمّا يطلب[2].

نحن نختم طلبنا دومًا باللجوء إلى مشيئة الله تعالى، فنرجو إليه أن ييسّر من طلبنا ما هو خير لنا، وأن يمسك عنّا ما ليس كذلك، فنحن نجهل كليهما، ونؤمن بمحبّته وبأنّه لا يريد لنا إلّا الخير.  وفي هذا اقتداء بالسّيّد المسيح (ع س) الّذي طلب أن يجيز عنه هذا الكأس، ثمّ أردف قائلًا: لتكن مشيئتك أنت لا مشيئتي[3]

ليس الله بحاجة لا إلى صلاتنا، ولا إلى صيامنا، لكنّنا نحن الّذين نحتاج إلى التّقرّب منه، ونتّخذ الصّلاة زُلفى إليه، وإظهارًا لمحبّتنا وخضوعنا وتعبّدنا، وبقدر ما تكون الصّلة به متينة، يحقّق المرء المعنى الصّحيح للصّلاة، وهو الصّدق في القلب واللّسان والنّيّة والخلوص والخشوع والوقار، فتكون من أعماق القلب والرّوح، لا من الشّفتيْن واللّسان فحسب، ولا فرق بأيّة لغة قيلت، فالله يفهم كلّ اللغات، وأحبّها إليه لغة القلب، ولتكن صادقة في الدّعاء، مقرونة بالمحبّة لله، والتّعبّد له، وتمجيد اسمه العظيم، ومَن لم يكن صادقًا في صلاته خير له ألّا يصلّي.

إنّ كثيرين يركعون طويلّا، ويصلّون كثيرًا، ومع ذلك نرى فيهم شراسة وحسدًا وطمعًا وسوء أخلاق، فالصّلاة عند هؤلاء مجرّد تكليف يقومون به رفع عتبٍ، وخير لهم الّا يصلّوا لكي لا يقعوا في خطيئة الكذب على الله، وادّعاء أيمان ليس له في قلوبهم أيُّ أثر.

بمناسبة ذِكر الإيمان، تجب الإشارة إلى أنّ كثيرين يلتبس عليهم التّمييز بين الإيمان والاعتقاد، وقد يحسبونها مترادفيْن. الاعتقاد وحده لا يكفي لإيجاد الإيمان، بل يجب أن يلحقه اكتشاف الحقيقة، وعندئذٍ تصبح العقيدة إيمانًا صادقًا. فالإيمان يكون نتيجةً للاعتقاد لا وسيلة إليه، والإيمان الّذي يسبق الاعتقاد يرتكز على وعي نسبيٍّ، ويبقى في مستواه، ولا يصل بالمصلّي إلى الحقيقة.

الإيمان الصّحيح هو الّذي عناه السّيّد المسيح (ع س) بقوله لتلاميذه: مَن كان له إيمان مثل حبّة الخردل، يقول لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل[4] .

قد نصلّي أحيانًا من أجل الآخرين، وهذه الرّغبة في عمل الخير إذا كانت من القلب تُستجاب، وتحمل الأرواح المرشدة على المساعدة في تحقيق هذا الطّلب بقدر المستطاع.

إنّ الصّلوات لا تغيّر أقدار النّاس الّتي لا بدّ أن توفّى، إلّا أنّ هذه الصّلوات، وإن كان الله لا يغيّر نظام الطّبيعة استجابة لرغبةٍ ما، لكنّه لا يخيّب دعوة الدّاعي، وخصوصًا إذا كان من الصّالين، فيعطي المصلّي من أجلهم الصّبر، والشّجاعة وقوّة الاحتمال، فتخفّ الآلام الّتي يعانونها، وتهون أمامهم الصّعاب، ثمّ إنّ ما تحسبه أنت شرًّا عظيمًا، وتطلب زواله، قد يكون فيه الخير كلّ الخير وأنت لا تدري.

ولا ينسينّ أحدٌ أنّ معظم الآلام الّتي تصيبنا إنّما هي من جرّاء أخطائنا أو عدم احترازنا، والّذي يرتكب خطأ أو لا يحترز، عليه أن يحتمل المغبّة، ومع ذلك فإنّ الله غفور رحيم، وهو يستجيب إلى الطّلب الحقّ والعدل استجابة قد لا نشعر بها، ونحسب أنّه لم يستمع إلينا، لكنّ عند الله، لمساعدتنا وسائل طبيعيّة نحسبها من فعل المصادفة، أو بديهيّات الأمور، وغالبًا ما تكون هذه المساعدة نوعًا من الإيحاء يؤول بنا، على غير وعي منّا، إلى أن نتولّى نحن تخليص أنفسنا ممّا نحن فيه.

قد نصلّي عن أرواح أحبّائنا الّذين ماتوا، ونطلب لهم الرّحمة والرّضوان. هذه الصّلاة هي شهادة بأنّ ثمّة مَن يحبّهم ويدعو لهم، فنخفّف عنهم إذا كانوا في عذاب، ونفرّحهم إذا كانوا في دَعة، وهي في كلتا الحالتيْن، تستثير فيهم النشاط والعمل بجهد في طريق التّقدّم، وتحمل الأرواح المرشدة على مساعدتهم.

ويبقى بديهيًّا أنّ صلاتنا من أجلهم تستجلب محبّتهم، فتزداد الرّوابط العاطفيّة بين الفريقيْن، ولا يقلّ ما نستفيده نحن عمّا يستفيدونه هم، وبهذه المحبّة يكون الفريقان قائميْن على تنفيذ النّاموس الإلهيّ الّذي بقوم بانتظام العالم وهو المحبّة. 


[1] الكَلّ: من يكون عبئًا على غيره، وتأتي بمعنى الثقيل الّذي لا خير فيه.

[2] في الحديث الشّريف: “من لم يسأل الله يغضب عليه” (الأرواح لابن قيّم الجوزيّة)

[3] الكتاب المقدّس، إنجيل مرقس 36:14 وإنجيل لوقا 42:22.

[4] الكتاب المقدّس: إنجيل متّى 20:17

مقالات ذات صلة: