الموقع قيد التحديث!

الشّيخ الفاضل أبو محمود سعيد فرج حفظه اللّه تعالى

بقلم الشّيخ أبو رضا حسين حلبي
دالية الكرمل

فضيلة المشايخ المتوّجين بالعمامة المكولسة (ج)

لقد سبق وتطرّقنا في مجلة “العمامة” إلى موضوع تكريم، وتتويج، وتلبيس المشايخ الأجلاء: الشيخ أبو سعيد أنور الصّايغ، الشيخ أبو طاهر منير بركة، الشّيخ أبو داوود منير قضماني، الشّيخ أبو يوسف أمين العريضي، الشّيخ أبو علي سليمان أبو ذياب، الشّيخ أبو زين الدين حسن غنّام، الشيخ أبو مسعود هاني شهيّب، الشّيخ أبو محمود سعيد فرج، والشّيخ أبو فايز أمين مكارم، بالعمامة المُكَوْلَسة، وتنصيبهم مراجع روحيّين معتمدين في لبنان. وفي الأعداد السّابقة، عرضنا نبذات من سِيَر حياة عدد من هؤلاء المشايخ الأفاضل، وهم: الشيخ أبو علي سليمان أبو ذياب، الشيخ أبو طاهر منير بركة، الشيخ أبو داوود منير القضماني، الشّيخ أبو فايز أمين مكارم، الشيخ أبو زين الدّين حسن غنّام، الشيخ أبو يوسف أمين العريضي، الشيخ أبو سعيد أنور الصّايغ والشّيخ أبو صالح محمّد العنداري. أما في هذا العدد، فنستعرض سيرة الشّيخ الجليل الفاضل أبو محمود سعيد فرج، نفّعنا الله ببركاته، وأعاد علينا من صالح دعواته، على أن نواصل، بإذن الله، مسيرة عرض سِيَر حياة مشايخنا الأجلاء في الأعداد القادمة ايضًا، حفظهم الله وأطال أعمارهم ونفعنا ببركاتهم.

فضيلة الشّيخ أبو محمود سعيد فرج

سَلِيلُ أَهْلِ التُّقَى، الفَاضِلُ العَلَمُ

حَفِيدُ مَنْ زَانَهُ الإِخْلَاصُ وَالقِيَمُ

شَقِيقُ سَيِّدِنَا شَهِيدِ أُمَّتِنَا

أَبَا عَفِيفٍ، وَمَنْ تَعْلُو بِهِ الهِمَمُ

هُوَ السَّعِيدُ “سَعِيدٌ” فِي مَنَاقِبِهِ

هُوَ الأَمِينُ، كَرِيمُ الأَصْلِ مُحْتَرَمُ

هُوَ الوَقُورُ، وَمَنْ آدَابُهُ سَطَعَتْ

تُحْيِي القُلُوبَ، وَوَهْجُ الصِّدْقِ يَضْطَرِمُ

يَهِلُّ وَجْهُهُ مِثْلَ البَدْرِ مُبْتَسِمًا

يَحْكِي صَفَاءَ الحِجَى بِالطُّهْرِ يَتَّسِمُ

العِلْمُ زِينَتُهُ، قَدْ حَاكَهَا وَرَعٌ

قَلَّتْ نَظَائِرُهُ، رَيَّانُهُ الْحِكَمُ

رَبِّ احْفَظْهُ، وَاجْعَلْ بَصَائِرَنَا

تَرْقَى بِحِكْمَتِهِ، تَسْمُو وَتَغْتَنِمُ

(غسان يوسف أبوذياب)

أبو محمود سعيد فرج، شيخ فضيل نشأ في بيت كريم نسبًا وحسبًا، جدّه شيخ الجزيرة وركن العشيرة التّقي الورع الفاضل العالِم العامل، الصّادق الشّكور، ومن قلبه بالتّوحيد والإيمان مغمور، سيّدنا الشّيخ أبو حسين محمود فرج رحمه الله تعالى.

وُلد الشّيخ أبو حسين محمود فرج سنة 1866م في بلدة عبيه من غرب لبنان، من أبويْن كريميْن نسبًا وحسبًا.

نشأ في جوار مقام الأمير السّيّد جمال الدّين عبد الله التّنوخي قُدّس سرُّه، قدوة المتّقين، والرّكن التّوحيديّ المتين.

اشتهِر بالتّقوى، والورع، والصّدق، وكان مرجعًا كبيرًا للموحِّدين، حتَّى غدا في عصره شيخ الجزيرة، ومقصدًا للنَّاس لحلّ الّنِّزاعات فيما بينهم، وردّ الحقوق لأهلها. 

توّجه الشّيخ سعيد العقيلي بالعمامة المكورة، وهو دون الثّلاثين من عمره. وتوّج بدوره مشايخ عدة في لبنان. كما توّج الشّيخيْن الفاضليْن الشّيخ أبو يوسف أمين طريف، والشّيخ أبو يوسف سلمان نصر رحمهما الله. وكانت وفاته رحمه الله في 23 تشرين ثاني 1953.

رزقه الله خمسة أولاد أربع بنات وصبيًّا واحدًا أسماه حسين، وكان قد برز من أولاد الشّيخ حسين شيخان جليلان فاضلان تقيّان؛ أوّلهما الورع الفاضل شهيد أهل الدّين الشّيخ أبو عفيف محمد فرج[1]، والشّيخ الدّيان الفاضل أبو محمود سعيد فرج حفظه الله تعالى وأطال بقاه.        

وُلد الشّيخ أبو محمود سعيد فرج في عبيه من أبويْن كريميْن، في 3-7- 1938م ونشأ نشأة دينيّة، نهل فيها من مناهل الأدب والقِيَم التّوحيديّة، ووُفِّق بشقيق له تقيّ فاضل الشّهيد الجليل والشّيخ الفضيل أبو عفيف محمد فرج، فتآخيا وتصافيا وتوافقا وتحابّا في الدّين.

وقال المرحوم الشّيخ أبو عفيف محمد لابن أخيه محمود عن أبيه الشّيخ أبو محمود سعيد: “تعرّفت على مشايخ لبنان وسوريا وبعض مشايخ فلسطين، فرأيت والدك من الأوائل المميّزين معهم ورعًا وديانة وإيثارًا”. (التّضحية وتقديم الآخرين على النّفس)

كان الشّيخُ أبو محمود ولم يزل مثالًا نادرًا للإيثار، كأنّه يجسّد قول الشّاعر:

منْ حَبَّةِ القَمْحٍ اتَّخِذْ مَثَلَ النَّدَى

يا مَنْ قَبَضْتَ عَنِ النَّدَى يَمْنَاكَ

هِيَ حَبَّةٌ أَعْطَتْكَ عَشْرَ سَنَابِلٍ

لِتَجُودَ أَنْتَ بِحَبَّةٍ لِسِوَاكَ

وَكَأَنَّمَا الشَّقُّ الَّذِي فِي وَسْطِهَا

لَكَ قَائِلٌ: نِصْفِي يَخُصُّ أَخَاكَ

هذا هو شيخنا الجليل أبو محمود سعيد هادئُ السّمت، فسيح الجِنان، ورع تقيّ، كثير العطاء دون مِنّة، فغدا الإيثار فيه طبعًا لا تكلّفًا، وسجيّةً لا تصنّعًا.

 قال المرحوم الشّيخ أبو عفيف قبل استشهاده لابن أخيه الأخ الفاضل محمود: “إذا قدّر الله لي شيئًا، وصيّتي لك أخي بو محمود. أبوك ما من أحد يعرفه مثلي، والفقير لو لي حظّ كنت قدرت خبّي حالي مثله”. وكان المرحوم الشّيخ أبو عفيف متواجدًا في سهرة دينيّة، ودخل أخوه الشّيخ أبو محمود إلى السّهرة بكلّ خشوع وأدب، فقال المرحوم الشّيخ أبو عفيف لسماحة الشّيخ أبو علي سليمان بوذياب: “عندي هالخيّ ما في مثلو”.

في عبارة المرحوم الشّيخ الشّهيد الجليل أبو عفيف: “عندي هالخي ما في مثلو”. “ما من أحد يعرفه مثلي”، تأكيدٌ على الاعتراف بفضله وعلوّ مقامه، ورفيع منزلته، وهو يتمنّى أن يكون له الحظّ في أن يبلغ ما بلغه أخوه، أو أن ينهل من مناهله العذبة الصّافية.

فالكبير يشهد عن بصيرة حاذقة، وتجربة صادقة، ومعايير دينيّة ثابتة، فشهادته شهادة مراقب دقيق ميّز السّلوك والمواقف والأخلاق وبنى عليها. وتُعدّ هذا الشّهادة وسام حقّ مبين في حقّ الشّيخ أبي محمود سعيد، ودليلًا على رفيع منزلته، وإنّ الأيّام والأحوال أثبتت صحيح الشّهادة حيث إنّ الشّيخ أبا محمود سعيد اليومَ هو مرجع روحيّ كبير سما كسموّ أسلافه ورَعًا وأدَبًا وإخلاصًا ووفاء.

وحين فقد المرحوم الشّيخ أبو محمود سعيد أخاه وشقيق روحه الشّيخ أبو عفيف محمد، التقى بالشّيخ الجليل أبي زين الدّين حسن غنّام، وكانت تجمع الثّلاثة صداقة ومودّة … فذكر الشّيخ أبو زين الدّين: “حين علمت بوجود الشّيخ أبي محمود بدأت أحضر نفسي كيف ألاقيه، وعند وصوله تكلّمت العَبرات وتقيّد اللّسان. فقال له الشّيخ أبو محمود: “يا خيي بو زين الدّين إذا أخوة في الله يتسابقون بالوصول إلى رضاه. المحبّ لأخيه يفرح لأخيه بالسّبق. وتابع الجهاد في الدّفاع عن العرض والأرض.

فحين استُشهد شقيق روحه، وأنيس عمره، لم يجعل المصيبة الدّهماء تأخذ منه ولاءه لخالقه وقربه منه، بل سلّم الأمر للّه ربّ العالمين، وحوّل ألم الفراق بهجة لأنّ أخاه سبقه إلى الجنّة العليا. فيا له من وفاء لا يتزعزع، ويا له من إخلاص نوره يسطع ويلمع، ما أشغله الهمّ عن أداء الواجب المطلوب، بل أكمل طريقه دفاعًا عن العرض والأرض، وكأنّه يعيش في نيّة أخيه الشّهيد المقدام، لم يمت بل بقي حيًّا في مآثره، في تقواه، في وفائه، وصدق فيه قول الشّاعر:

لا تبكه اليوم بدء حياته       إنّ الشّهيد يعش يوم وفاته

 فقد فتح اللّه من قلب شيخنا الجليل أبي محمود سعيد باب الرّضا والتّسليم، فاجتباه إليه العزيز الحكيم. حفظه اللّه وأدامه، وأعاننا على الاقتداء به والاستفادة من وجوده بحقّ سيّد المرسلين.

إنّ الكبار تستحيل المصائب عندهم إلى اتخاذ موقف إيماني، مغمور بالاستسلام لقضاء اللّه وقدره، ويجعلون من ألم الفراق قوةّ ثبات واستمرار على النّهج الصّحيح إيفاء لرسالة شهيدهم الغالي، وإعلاء لكلمة الحقّ.

وبالفترة الّتي تولّى فيها الشّيخ بهجت غيث منصب القائم مقام مشيخة العقل لما هو معلوم، حصلت خلافات دينيّة قويّة بين المرجعيّات الدّينيّة والشّيخ غيث، وكان في حينها الوالد يستلم ولاية ووكالة عن مقام الأمير السّيّد، وبلّغ البعض المرجعيّات أنّ الشّيخ أبا محمود يميل إلى حسن الظّنّ بالشّيخ بهجت وحصلت ملامات كثيرة من المرجعيّات وغيرهم.

فبقي الشّيخ أبو محمود قائمًا بخدمة المقام يتواصل مع الشّيخ غيث سرًّا دون مخالفة المشايخ. وحين استلم الشّيخ نعيم المشيخة علم بسير عمل المقام، وطبعًا وصل العلم لمشايخنا. فقال له الشّيخ الجليل أبو محمد جواد: “يا بركة الله يا خيي بو محمود، زعلنا عليك وما كنّا عارفين كيف عم تشتغل. الله بيعلم قديش كسّبناك أجر”.

إنّ الشّيخ أبا محمود سعيد لطهارة قلبه، وهناء روحه، يرى الأخوّة سموّا يتجاوز حظّ الأنا ليرقى بين إخوانه بصفاء ووئام.

فكان يسير بين الخلافات بثبات العاقل الرّزين. لم تَحْمِله الحالات الصّعبة المتأزّمة ولا الملامات على التّقصير بواجبه، فحفظ حرمة المقام، وأدّى الأمانة بصمتٍ ووقار، يجمع بين الوفاء لإخوانه ومشايخ عصره، وبين المحافظة على الأمانة الدّينيّة، عمل في الخفاء بصدق وإخلاص هاربًا من المدحٍ والثّناء، غير خائف من العتب، ليقينه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه وحسن الوفاء، وإنّ الله سينصره ويؤيّده رغم العناء.  وحين انكشف صدقه، أنّه كان يبني جسورًا من الأمان في زمن القطيعة، بحكمة وعقل وورع وإخلاص فاستحقّ ثقة من لامه قبل إنصافه، لا بل ميّزه من لامه ووقّره، وانجلى الحقّ المبين أنّ الشيخ أبا محمود سعيد شيخ أمين ثقة مرجع مخلص مكرّم عند ربّ العالمين، مع أنّ هذا لم يكن يخفى عند مشايخ عصره ولا عند لائمه، حتّى ولا على إخوانه الأبرار الموقنين.

إنّ الشّيخ أبو محمود سعيد حفظه الله، يبخل بالدّقيقة أن تذهب بغير طاعة الله، يصرف أوقاته بتلاوة كتاب الله العزيز، والتّبحُّر والغوص في دقائقه لفهم معانيه، ويديم المذاكرات الدّينيّة مع إخوانه الأصفياء المخلصين، يفيد ويستفيد… وذكر لنا أحد الإخوان الثّقات ممّن يعاشروه أنّه عندما يكون في مجلس المذاكرة يرى نفسه هو المستفيد الأوّل، ويعلّمنا بلسان حاله ولسان قاله آداب الدّين، ونفائس العلوم. ولدقّة مراقبته لنفسه وتواضعه وإخلاصه، يحرص كلّ الحرص على ألّا يكلّف أحدًا بقضاء حاجياته، بل مع تقدّم سنّه يعمل في بستانه وفي صنعة “النّول” لكسب الحلال، كي يترفّع عن حاجة الآخرين حتّى ولو أقرب النّاس إليه.

إنّ الشّيخ الجليل أبا محمود سعيد لديه فكر حاذق في إدارة عمل مؤسسّاتي، فهو المؤتمن والوكيل على وقف مقام السّيّد الأمير عبد الله جمال الدّين التّنّوخي قُدّس سرّه، وخلوة مقام الشّيخ أحمد أمين الدّين، ومقام الشّيخ عسّاف فحفظها ورعاها وأحسن سياستها بحكمة وورع ونزاهة ونباهة. ومع تقدّم سنّه وعجزه عن متابعة الأمور بدقّة كما كان من قبل، قد سلّم هذه المهمّة اليوم لابنه الشّيخ الجليل “محمود” حفظه الله.

  وللشّيخ الجليل أبي محمود الفضل الكبير في رعايته للمركز الثّقافيّ التّوحيديّ، فهو صاحب الفكرة، المقرونة بالنّيّة الطّاهرة، والعامرة بالإخلاص، حيث غدا هذا المركز الثّقافيّ اليوم مَعينًا زاخرًا بالخيرات والقيم، والثّقافة التّوحيديّة السّامية. وكذلك لا ننسى رعايته لكليّة السّيّد الأمير التّوحيديّة وموافقته لها، فهي اليوم منارة علم وأخلاق لأبناء طائفتنا الموحّدين (بنين وبنات)، تُدرَّس فيها العلوم التّوحيديّة وفقًا لنهج سلفنا الصّالح، ومطابقة لمبادئ ونصوص كتاب الله العزيز.

إنّ التّكلّم على الشّيخ الجليل أبا محمود سعيد حفظه اللّه تعالى، هو الإخبار عن سيرةٍ آثلة عابقة بالإخلاص والصّدق والوفاء والعلم والعمل، وتُقدّم سيرته نموذجًا ميمونًا عن الإيثار والأخوّة الدّينيّة الحقيقيّة بأسمى معانيها. شَهِد له الكبار، وأثنوا على مواقفه، الّتي غدت نهجًا يقتدى به، نهجَ الأصالة والوفاء. وستبقى سيرته نور هداية، وقدوة حسنة. أطال الله بقاه وسدّده وقوّاه، وجعل الجنّة مرقده ومأواه، ونفّعنا الله ببركاته وصالح دعاه.. v

** ساهم في اعداد المقال الأستاذ الشّيخ غسّان يوسف أبوذياب – مع الشكر.


[1] إنّه الشّيخ الشّهيد أبو عفيف محمد فرج، المولود في بلدة عبيه عام 1932، صاحب الأمانة وسليل الدّيانة، حفيد الشّيخ أبي حسين محمود فرج، الّذي ورث محاسنه، واتّبع سنّته وسمته، فكان شيخًا فاضلًا واعظًا، وأبًا حنونًا، وعفيفًا طاهرًا، وشجاعًا مقدامًا، استشهد دفاعًا عن الأرض والعرض والدّين في 5 أيلول 1983 عن عمر قارب الإثنين وخمسين سنة، فأبكت وفاته العيون وأحزنت القلوب، رحمه الله.

مقالات ذات صلة:

في خصلة الاتّباع

كثيرةٌ هي الأسئلة الّتي تُطرح يوميًّا على أسماع مرشدي قسم التّوعية التّوحيديّة، الّذين يحملون أمانة نشر الوعي الدّينيّ والثّقافيّ بين