الموقع قيد التحديث!

الشّيخ الجليل الفاضل أبو نجم خليل حمادة رحمه الله تعالى

بقلم الأستاذ الشّيخ غسّان يوسف أبوذياب
لبنان

شَيْخٌ فَضِيلٌ لِلْتُّقَى عُنْوَانُ

نَجْمٌ “أَبُو نَجْمٍ” سَمَا دَيَّانُ

وَ”خَلِيلُ” يَا نِعْمَ الْخَلِيلُ النَّاصِحُ

نِعْمَ الْفَضِيلُ، فَنَهْجُكَ الإحْسانُ

وَرِعٌ نَقِيُّ الْقَلْبِ مَحْمُودُ الثَّنَا

بَيْنَ الشُّيُوخِ مُوَقَّرٌ عُنْوَان

عَقْلٌ رَجِيحٌ عَالِمٌ مُتَخَشِّعٌ

مِيزَانُ فَضْلِكَ زَانَهُ الرُّجْحَانُ

فَاهْنَأْ بِدَارِ الْخُلْدِ يَا شَيْخَ التُّقَى

خُلَّانُكَ الْأَبْرَارُ وَالْأَعْيَانُ

غسان يوسف أبوذياب.

عين من الأعيان، وشيخ فاضل ديّان، الإخلاص في حسن الولاء دثاره، والسّدق والوفاء شعاره، والمحبّة الصّافية لخلّان الوفاء سراجه المنير، والورَع والمجاهدة ومحاسبة النّفس نهجه المستنير. مودَع أمانات النّاس ووصاياهم، ومشكى همّهم، ومحلّ ثقتهم.

تتجلّى صفات هذا الشّيخ الجليل في مرثاة سماحة الشّيخ الجليل العالم العامل أبو علي سليمان بوذياب حفظه الله تعالى له، المضمّخة بعَبارات الحسرة والتّوجّع والأسى، على هذا العلم المكلّل بتاج التّقى والنّهى.

وتأتي هذه المرثاة البليغة، لتبقى شهادة حيّة في هذا العلم الفاضل، وكأنّ مداد سطورها عَبرات لا تبكي غائبًا وحسب، بل تسطّر مجدًا آثلًا إنسانيًّا توحيديًّا ربانيًّا قلّ نظيره، ولو كان غيابه جارحًا الأفئدة بأسياف الأسى، فذكره باقٍ في خلجات الصّدور لا يُتنسى.

فكيف لا؟! وقد كان هذا الشّيخ الجليل رحمه الله نموذجًا صالحًا وقدوة فضلى للصّالحين، واعظًا مرشدًا، حكيمًا مؤدّبًا، يعظ النّاس بلسان حاله قبل لسان قاله، مهذِّبًا أخلاقه، مستشعِرًا خلّاقه، فكأنّ وجهه النّضر الوضّاء، يحاكي نضارة البدر في عتمة الدّجى، وبَرد يقينه كسكون اللّيل، يسمو بالتّضرّع والاستغفار والمناجاة، وتسبيح وتمجيد خالق الأرض والسّماوات.

وهذه قبسات مباركة من هذه المرثاة النّفيسة:

لَا تَبْكِ شَخْصًا قَضَى الْأَوْقَاتَ مُرْتَقِبًا

وَقْتَ الرَّحِيلِ وَلَمْ يَغْفُلْ عَنِ الْحَذَرِ

مُرَاقِبًا رَبَّهُ الدَّيَّانَ مُعْتَذِرًا

عَنِ الْإِسَاءَاتِ وَالزَّلَّاتِ وَالضَّرَرِ

مُجَاهِدًا نَفْسَهُ عَمَّا يُبَاعِدُهَا

عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ وَالظَّفَرِ

قَضَى الْحَيَاةَ تَقِيًّا مُخْلِصًا وَرِعًا

مُبَارَكًا طَاهِرَ النِّيَّاتِ وَالنَّظَرِ

مُحَافِظًا صَادِقًا تَاقَتْ بِهِ هِمَمٌ

إِلَى الْفُرُوضِ فَأَدَّاهَا مِنَ الصِّغَرِ

مُجَاهِدًا نَاهِضًا بِالْحَقِّ مُعْتَضِدًا

مُصَابِرًا صَامِتًا حِينَ النِّدَاءِ جَرِي

مُوَاظِبًا عَامِلًا لِلْأَجْرِ مُحْتَسِبًا

مُسْتَغْرِقًا وَقْتَهُ بِالذِّكْرِ وَالسَّهَرِ

مُسَبِّحًا حَامِدًا رَبَّ الْعِبَادِ عَلَى

إِنْعَامِهِ، مِنْ خِصَالِ الْجَاحِدِينَ بَرِي

مُنَزَّهًا زَاهِدًا فِي غَيْرِ خَالِقِهِ

وَرَاغِبًا عَنْ دَنَى الْأَصْدَافِ فِي الدُّرَرِ

شَيْخًا جَلِيلًا كَرِيمًا فَاضِلًا عَلَمًا

يَزْهُو بِطُهْرٍ وَأُنْسٍ مُشْرِقٍ نَضِرِ

شَخْصًا أَنِيسًا مُحِبًّا هَادِئًا رَئِفًا

كَلَامُهُ لَيِّنٌ خَالٍ مِنَ الْغِيَرِ

مُسَالِمًا مُسْتَرِيحًا مُوقِنًا يَقِظًا

مُرَاقِبًا رَبَّهُ يَنْأَى عَنِ الْكَدَرِ

مُذَكِّرًا وَاعِظًا فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ

كَدَوْحَةٍ مِنْ أَعَزِّ الْغَرْسِ وَالشَّجَرِ

يُعْطِي الْمُرِيدِينَ أَثْمَارًا مُبَارَكَةً

وَيَشْرَحُ الْخَاطِرَ الْمَحْزُونَ بِالْبَصَرِ

مُكْرِمًا لِأَهَالِي الْخَيْرِ مُبْتَهِجًا

بِذِكْرِهِمْ مُطْمَئِنًّا طِيلَةَ الْعُمُرِ

يُرْضِي خَوَاطِرَهُمْ بِاللُّطْفِ يَجْبُرُهَا

وَالْبِشْرِ وَالْوِدِّ فِي صَوْنٍ وَفِي خَفَرِ

يُجِلُّ أَكْبَرَهُمْ يَحْبُّ أَصْغَرَهُمْ

بِهِمْ شَفِيقًا رَفِيقًا غَيْرَ مُحْتَقِرِ

أَعْنِي خَلِيلًا أَبَا نَجْمٍ خَلِيلَ تُقًى

وَنَجْمَ فَضْلٍ عَلَى الْبُلْدَانِ مُنْتَشِرِ

ضَاءَتْ مَطَالِعُهُ بِالسَّعْدِ مُشْرِقَةً

عَنْهَا الدِّيَانَةُ عَنْ سِرٍّ وَمُسْتَتِرِ

وَزَانَهُ الْعَقْلُ وَالْإِيمَانُ وَاتَّحَدَا

مَعَ الْأَمَانَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْكِبَرِ

إِنَّا فَقَدْنَاكَ يَا وَجْهًا أَضَاءَ لَنَا

بِالْحُسْنِ وَالْيُمْنِ فِي أُفْقِ الْمَسَا الْكَدِرِ

نَأْسَى لِفَقْدِكَ وَالْأَحْزَانُ بَادِيَةٌ

وَالْعَيْنُ بَاكِيَةٌ وَالْقَلْبُ فِي حَسَرِ

عُذْرًا إِلَهِي إِذَا أَبْكَى مَدَامِعَنَا

فَقْدُ الْكِرَامِ وَأَنْتَ الْمُبْدِلُ الصُّوَرِ

نَرْجُو رِضَاكَ وَبِالْأَبْرَارِ يَجْمَعُنَا

دَارُ النَّعِيمِ بِحَقِّ الْحَقِّ وَالنُّذُرِ

                            (سماحة الشيخ أبو علي سليمان بوذياب)

 وُلد الشّيخ الجليل أبو نجم خليل حمادة في بعقلين سنة 1898م، وتُوفّي سنة 1971م. نشأ في بيت عائلة متديّنة، تُوفّي والده أثناء الحرب العالميّة الأولى سنة 1914 م، وكان له من العمر ستّ عشرة سنة.

وكان من كوكبة مشايخ البلاد الأعيان، وقد غدت بعقلين بوجوده ووجود الأتقياء الأفاضل أمثاله أعني الشّيخيْن الفاضليْن أبي محمد جواد ولي الدّين، وأبي علي محمد عامر رحمهما الله تعالى منارة للدّين، ومحجّة مباركة يقصدها أهل التّقى والنّهى، ومرجعًا لأخذ الرّأي السّديد عند وقوع النّزاعات بين أبناء الصّفّ الواحد، أو عند لزوم اتّخاذ القرار الآيل إلى مصلحة الطّائفة عند هبوب عواصف الأزمات.

ذَكر لنا حفيده الشّيخ نبيه أنّه وقع خلاف بين أناسٍ من بيت أبي مطر وأناس من بيت حمزة، على أراضٍ معيّنة، واستدعوا الشّيخ أبا نجم لحلّ المشكل، وعقدوا نيّتهم بالامتثال لرأي الشّيخ الجليل، فحضر الشّيخ وقسّم الأراضي المتنازع عليها، فوافقوا دون تذمّر واعتراض.

–        كان للشّيخ الجليل منزل على تخوم ضيعته بعقلين في “رأس النّحل”، وأمام منزله طريق رِجل للنّاس الّذين عندهم أرزاق في وادي الدّير، وجاء رجل من ضيعته يأخذ من الطريق ويضيّقها، حتّى لم يتمكّن الحمار أو البغل إذا كان محمّلا أن يسير عليها، ومرّة قال له الشّيخ أبو نجم: “كثير هيك عمّال تلحّ على الطّريق”. فأجابه:” رح قصّ الرِّجل الّتي تمرّ على هذه الطّريق”. فلم يردّ عليه الشّيخ أبو نجم. وبعد فترة قصيرة صار عنده “غرغرين”، فقُطعت رجله، وأصبحت النّاس تقول: ” بدو يقطع رجل الشّيخ اعتبروا!!!”، وقُطعت كذلك رجله الأخرى بعد فترة، حتّى أصبح محلًّا للاعتبار بقدرة الواحد القهّار، وبكرامات الأفاضل الأطهار.

–        كان الشّيخ أبو نجم في صحبة الشّيخ الجليل أبو حسيب أسعد الصّايغ رحمه الله، ومعهم جمهور، عائدين من البياضة، وهم في طريقهم قصدوا مقام نبيّنا يونس عليه السّلام في الجيّة، وكان وقت الصّلاة، فاستأذن الشّيخ أبو نجم من سيّدنا الشّيخ وأمّ بالمصلّين، ممّا لاقى ذلك احترامًا كبيرًا عند الحاضرين.

–        كان في ضيعته بيت نصارى، تضع نساؤه المنديل على الرّأس، وعندما قصدت إحدى نِسائه التّوجّه إلى المدينة ومعها ابنها، وأصبحا خراج ضيعة بعقلين، قال الابن لأمّه: يا أمي لماذا تبقين المنديل على رأسك، نحن خراج بعقلين. فأجابته: لا يا ابني، إذا عرف الشّيخ بو نجم!!! احترامًا لمكانته وخاطره سألتزم بذلك، وبقيت لابسة المنديل على رأسها ذهابًا وإيابًا.

–        كرّمه مشايخ عصره بالعباءة البيضاء المقلّمة تقديرًا لمكانته الدّينيّة، وأراد الشّيخان الجليلان الشّيخ أبو حسيب أسعد الصّايغ، والشّيخ أبو حسن عارف حلاوي رحمهما الله تعالى أن يكرّماه بالعمامة المكولسة، وبعد إلحاح كبير من الشّيخيْن الجليليْن، قَبِل خاطرهما قائلًا: ” أعتمرها بشرط أن ألتزم بيتي بعدها” فصعب عليهما هذا الأمر ولم يعتمرها، وهو أهل لها رحمه الله تعالى.

أسّس خلوته المباركة سنة 1949 وكانت عامرة بأهلها وقصّادها من السّادات الأعيان من لبنان وخارجه، وكانت صرحًا عامرًا بالكرم والمحبة. تولّى سياستها الشّيخ الجليل أبو نجم، وبعده استلم سياستها ابنه المرحوم الشّيخ أبو فؤاد نجم (1927-2011)، وكان شيخًا فاضلًا كريمًا حذا حذوَ أبيه تقوى وعلمًا وديانة، وقد أوسع في عمارة الخلوة، وأضاف إليها مجلسًا كبيرًا جديدًا محاذيًا للمجلس القديم فيها. وقد أوصى المرحوم الشّيخ أبو نجم لنجله الشّيخ أبو فؤاد الخلوة وما يتبعها من أرزاق، وأن تكون أمانة بين يديه، لثقته بديانته وتقواه، وكان الشّيخ أبو فؤاد رحمه الله مؤتمنًا وفيًّا مخلصًا للخلوة، محافظًا على حُرمتها.

وأمّا وفاته فهي كرامة من كراماته رحمه الله، حيث إنّه كان ساهرًا في المقام الشّريف ليلة الجمعة المباركة، وعندما وصل إلى المنزل صباحًا، أخذ صاحب الوديعة وديعته، وديعة مباركة مثقلة بزاد التّقى والفلاح والسّعادة رحمه الله تعالى.

إنّ فقد الشّيخ الجليل أبي نجم لخسارة كبيرة، ليس على ضيعته وحسب، حيث كان مباركًا، ملاذًا للمساكين، ومنفّسًا هموم المكروبين، مرشدًا حكيمًا للمؤمنين، بل الخسارة عمّت أرجاء الوطن بأسره، لأن موت الأعيان من تعس الزّمان.

ودُفن الشّيخ الجليل في خلوته ببعقلين، ودُشّن له حجرة تقصدها النّاس للتبرّك والاعتبار. فسلام على روحك الطّاهرة أيّها الشّيخ الّصابر الظّافر، السّادق الوفيّ المثابر. هنيئًا لك في سكنى الجنان في ظلال رحمة الواحد المنّان، بجوار السّادة والمشايخ الأعيان، ورحمات الله عليك تترى طول الدّهر والأزمان آمين..

مقالات ذات صلة: