تُعدّ الزّراعة من الأعمال القديمة الّتي امتهنها أجدادنا، واعتمدوا عليها في تأمين حاجاتهم من الغذاء لهم ولعائلاتهم ولمواشيهم، ثمّ أخذوا يُقايضون جيرانهم بما لديهم من محاصيل مقابل ما لديهم. لقد بذل المزارعون قديمًا جهدًا كبيرًا؛ لأنّ الزّراعة كانت تعتمد على القوّة العضليّة والجسمانيّة مع عدم وجود التّطوّر التّكنولوجيّ الحاليّ، وكانت معظم الأيدي العاملة تعتمد على العمل في الزّراعة.
استصلاح الأراضي (الِقْشاش)
يبدأ موسم قشاش الأراضي في أواخر فصل الصّيف وأوائل فصل الخريف، وهو عمليّة تَهيئة الأرض وتحضيرها قَبل زِراعتها، لتوفير جوٍّ مُلائم لجُذور النّباتات، ولتسهيل مُرورها في التُّربة، وتَوفير خصائص تُساعد البذور على امتصاص الماء والعناصر الغذائيّة من التُّربة، ونموّها، حيث تُزال أيّ نباتات مُسبّقة، كي لا تمتصّ العناصر الغذائيّة وتَستَنزفها. وتختلف عمليّات تَحضير الأرض حسب المنطقة والمحاصيل، حيث تَعود على النّباتات بنتائج أفضل عند تَهيئتها بطُرق صحيحة، وأوقات مُناسبة. تحتاج عمليّة القشاش للأدوات التّالية: المِنْجَل، الطّوريِّة (المِجْرَفَة)، الفأس، المِعْوَل، مِشْط الأرض، مِقَصّ الشّجر، الحاشوشِة، الفاروعَة، منكوش صغير وآخر كبير، شاعوب من حديد، مُخِل، بانْسَة (לום). هذه المعدّات والأدوات الزّراعيّة تحتاج إلى عناية مُستمرّة لتبقى بأفضل حال، وكان يتمّ ذلك من خلال شَحْذ شفرات المعدّات دوريًّا على يد حدّادين من قرية ترشيحا القريبة، حيث كانت تُحمَّل على ظهر الدّوابّ لتصليحها وسقيها بالنّار وشحذها حتّى تصبح حادّة لتسهيل استخدامها.
كانت نساء القرية تُعشِّب الزّرع فتزيل منه الأعشاب البرّيّة للحفاظ على جودة الزّرع. وكانت أراضي القرية كلّها مقسّمة إلى ثلاثة أجزاء: قسم لزراعة الأشجار المثمرة، مثل: التّين، اللّوز، الزّيتون والصّبر وغيرها، وقسم صغير لزراعة الخضار، والقسم الآخر والأكبر كان لزراعة الحبوب الشّتويّة والصّيفيّة ولزراعة الدُّخان (التَّبْغ) أيضًا.
في فصل الرّبيع كان أهالي القرية يوظّفون حارسًا ليحمي زرع حقول القرية جميعها من رعاة البقر والماعز لكثرة الرّعاة والمواشي، آنذاك، وكان ذلك الحارس يُسمّى “مْخَضِّر”. وكان أولاد الفلّاحين وبناتهم يسرحون بالبقر والدّوابّ، وحين كانت الماشية تأكل الزّرع خطأً، يأتي المْخَضِّر ويأخذ قسم من ملابس الرّعيان، وفي المساء يأتي أهالي هؤلاء الأولاد إلى المْخَضِّر ويدفعون مقابل الأذى الّذي تسبّبوا به، ويستردّون ملابس أولادهم.
بعد إزالة الأعشاب تبدأ عمليّة تسوية الأرض وإزالة الحجارة منها، وتصليح السَّناسل، وحرق الأعشاب الّتي تُقتلع من الأرض، وتَسميد التّربة، وقطع عدّة أشجار للحطب تحمَّل على ظهر الدّوابّ ويحضرونها إلى البيت استعدادًا للشّتاء.
ثمّ تبدأ عمليّة الحرث؛ أي تَحضير الأرض من خلال تفكيك التّربة، تَفتيتها وتَنعيمها وتَحفيزها لحضانة البذور. كانت عمليّة الحرث تجري بواسطة المحراث البلديّ أو عود الحراثة، وهو آلة يدويّة تجرّها الحيوانات، مثل: الحمار أو الثّور أو البغل، بحيث تسير بالمحراث المربوط بها في الأرض ذهابًا وإيابًا حتّى يتأكّد من قلب التّربة وتهويتها، وجعلها على شكل أخاديد أو شقوق وأتْلام، من أجل إعدادها للزّراعة.
يتكوّن المحراث البلديّ من:
1. النّير: يُستخدم النّير عندما تستخدم أكثر من دابّة في الحراثة، وهو قطعة غليظة من الخشب، قُطرها 15سنتيمترًا وطولها متر ونصف المتر، ينبعث من كلا طرفيها ثقبان يُثبَّت فيهما عودان غليظان بسمك 4-5 سنتيمترات، يُسمى كلّ واحد منهما “زَغْلولة”، يُستخدما للتّوازن ولتثبيت النّير في عنق الدّابّتين، حيث يحيطان برقبة الدّابّة من الأعلى، ويستندا إلى كتفي الدّابّة على مخدّة من الجلد والخيش ومحشوّة بالقَشّ، وبها تُجرّ الدّابّتان عود الحراث؛
2. السِّكَّة: هي قطعة من الحديد ثقيلة الوزن، حادّة الرّأس ولها جناحان. وهي الّتي تقوم بحراثة الأرض معتمدة بذلك على وزنها وحِدّة رأسها ومَيْله، وضغْط الفلّاح على “الكابوسة”، وقوّة الدّوابّ. والسِّكَّة تُركّب فوق الذّكر؛
3. الكابوسِة: هي مقبض عُلويّ مثبَّت بالذَّكَر في اتّجاه أُفقي، تساعد الفلّاح في ضغط المحراث داخل الأرض؛
4. الوَصْلَة: عبارة عن قطعة خشب توصل بين النّير والمحراث وكلاهما من الخشب القويّ؛
5. إرْياح: حَبْلان يصلان بين الكرْدانة والمحراث البلديّ، يمتدّان إلى جانبَي الدّابّة، وبهما يُجرّ عود الحراث؛
6. البُرْك: هو لوح خشبيّ مُقدّمته مربوطة بالوصلة بطوق حديديّ بواسطة بُرغيّين، له فُتحة خلفيّة بطول 10 سنتيمترات وعرض 3 سنتيمترات؛
7. الذَّكَر: يدخل في البُرْك من خلال الفُتحة المذكورة أعلاه، جزء الذَّكَر أعلى الفُتحة سماكته 3 سنتيمترات، والجزء الأسفل منه أسطوانيّ قُطره 10 سنتيمترات واسمه “الفحلة”؛
8. النّاطح: هو الجزء الّذي يربط البرك والذّكر؛
9. الكردانة: قطعة خشبيّة توضع على رقبة الدّابّة، لكي تساعدها على جرّ المحراث اليدويّ لحراثة الأرض، وهي خشبة سميكة ذات ضلعيْن على شكل رقم ثمانية، تُصنع من خشب البلّوط أو السّنديان، ويُثبَّت على جانبيها من اليمين واليسار حلقتان معدنيّتان. عند الحرث توضع الكردانة على رقبة الدّابّة لجرّ المحراث، وتستند إلى كتفَي الدّابّة على مخدّة أسطوانيّة غليظة مصنوعة من الجلد والقَشّ تُسمّى قلادة؛
10. القِلادة: وهي طوق أُسطوانيّ من الجلد المَحشوّ بالقَشّ، يوضع على رقبة الحيوان. يلبّس الجزء الخارجيّ منه بقطعة من الجلد، والجزء الدّاخليّ يلبس بقطعة من الخيش، وهي الّتي تلامس رقبة الحيوان الّذي يجرّ المحراث البلديّ، وتحميه من احتكاك الكردانة برقبة الحيوان. يلُفّ الطّوق حول رقبة الحيوان، ويُضمّ طرفاه إلى بعضهما أسفل رقبة الحيوان ويُربطان؛
11. المِنْساس أو المَسّاس: هو قضيب ثخين وطويل، في أعلاه مسمار حادّ يحثّ به الفلّاحُ الدّابّةَ على الحركة، وفي كعب المَسّاس قطعة حديد مسطّحة عريضة وحادّة تسمى “عبوة” لإزالة الطّين إذا علِق بالسِّكَّة.
والعود نوعان؛ الأوّل مُصمَّم ليجرّه حيوانان، وتكون الوصلة بينهما. والنّير هو القسم المشترك، والثّاني مفصّل لدابّة واحدة حيث تكون بين وصلتَي العود.
أمّا الآن فقد تطوّرت الحياة والتّكنولوجيا وحلّت الآلات الحديثة الضّخمة، مثل: الجرّافات، محلّ الأدوات القديمة. بعد تحضير الأرض تبدأ عمليّة نَثْر البذور، وقد احتلّت زراعة الحبوب المركز الأوّل في المحاصيل الحقليّة، ومنها:
1. القمح: يعدُّ القمح من أقدم المحاصيل الّتي عرفها الإنسان، واستعملها في غذائه، ولم يزل يحتلّ المرتبة الأولى من حيث المساحة المزروعة في غالبيّة بلدان العالم. تعود أهمّيّة محصول القمح إلى استخدامه غذاء للإنسان والحيوان؛ إذ يُصنع منه طحين الخبز الّذي يشكّل المادّة الوحيدة الّتي يُصنع منها الخبز، وهو الطّعام الرّئيس للإنسان على هذه الأرض. وتحتوي حبوبه على مكوّنات جعلت له قيمة غذائيّة عالية، وكذلك تِبْنُه (قشّه) يُعدّ غذاءً وعلفًا للحيوانات؛
2. الشّعير: من المحاصيل الشّتويّة؛ إذ يُزرع في غالبيّة المناطق المعتدلة، ويتحمّل ظروف الجفاف أكثر من القمح. يستعمل في الأعلاف الحيوانيّة، ويُحصد محصوله في شهر أيّار؛
3. الفول: يُزرع الفول في شهرَي تشرين أوّل وتشرين ثانٍ، تُستخدم حبوبه الخضراء والجافّة في تغذية الإنسان، وهو مصدر غنيّ للبروتين. كما يستخدم لتغذية الحيوانات، بالإضافة إلى استخدامه سمادً أخضر لتثبيت النّيتروجين في التّربة؛
4. الذُّرة الصّفراء: هي محصول صيفيّ ذو قيمة غذائيّة عالية، ففيها 70% من الكربوهيدرات، وَ-12% من البروتين، وَ-6% من الزّيت؛ ولذلك يُعدّ من المحاصيل الضّروريّة في كثير من بلدان العالم؛
5. العدس: محصول شتويّ يُزرع بعد هطول المطر، وغالبًا تكون زراعته في شهر تشرين ثانٍ وأوائل كانون أوّل. يستعمل في تغذية الإنسان لاحتوائه على كمّيّة وافرة من البروتين تُعادل اللّحم في قيمته الغذائيّة، ولاحتوائه على بعضٍ من العناصر المعدنيّة كالحديد والنّحاس، وعلى بعضٍ من العناصر غير المعدنيّة كالفوسفور والكالسيوم؛ وعلى بعضٍ من الفيتامينات. يؤكل مطهيًّا مع الأرز أو البرغل، بحبوبه الصّحيحة (المجَدَّرة)؛ أو يؤكل مجروشًا. تُستعمل عروقه الخضراء علفًا للبقر الحَلوب، كما تستعمل في تسميد الأرض، ويستخدم تِبْنه غذاءً للأغنام؛
6. الحمّص: محصول صيفيّ يُزرع بعد انتهاء فترة البرد لعدم تحمّله درجات الحرارة المنخفضة. يمتاز الحمّص ببذوره الغنيّة بالموادّ البروتينيّة ذات النّوعيّة الجيّدة، وتستعمل بذوره الخضراء طعامًا للإنسان؛ أمّا بذوره اليابسة فتُصنع منها العديد من المأكولات، وتقوم عليها العديد من الصّناعات، فيؤكل مسلوقًا (البليلة) ومهروسًا (صحن الحمّص)، وتُصنع منه الفلافل؛ كما يُؤكل مُحمّصًا (قْضامِة) فيكون من أنواع المكسّرات. وتعمل بعضٌ من المصانع على تغطيته بطبقة من الحلوى، إضافة إلى استعمال تِبْنه وعروقه علفًا للحيوانات وطيور الحمام؛
7. السُّمسم: يُزرع السُّمسم في شهرَي آذار ونيسان، بعد خلط بذور السُّمسم بالرّمل عند نثرها. ويدخل السُّمسم في كثير من الصّناعات، مثل: الطّحينيّة، زيت السّيرج والصّابون، وتستعمل قشور بذور السُّمسم في تغذية الحيوانات.
في أوّل شهر أيّار عندما يبدأ النّبات بالاصفرار عند النُّضج، وتمتلئ القرون بالحَبّ، وتبدأ بالجفاف، يتمّ حصاد المحصول من خلال قلع النّباتات باليد، وهذه العمليّة تُسمّى “الحَليشَة”، وينبغي أن تتمّ حَليشة القطانة في الأيّام الّتي يكثر فيها النّدى ويكون الجوّ رطبًا؛ فماء النّدى يُطرّي النّبات ويمنع تساقط الحبوب. ثمّ تُحمَّل البذور إلى البيادر وهناك تبدأ عمليّة الدِّراس بواسطة لوح الدّراس أو النَّوْرَج (لوح خشبيّ وسميك مصنوع من خشب البلّوط، يحتوي على مجموعة من الحصى البازلتيّة الحادّة كالسّكاكين، وهي بحجم حبّة جوز الملك، تكون مُثبَّتة ومُلصقة في أسفله)، لاستخراج الحبوب منها. بعد ذلك تُجلب الحبوب إلى البيت وتُخزَّن في الخلايا المبنيّة من الطّين. أمّا التِّبْن فيوضع في التَّبّان لإطعام الدّوابّ والبقر في فصل الشّتاء.
والقمح قبل نضوجه الكامل حين تكون سنابله خضراء، يُحصد قسم من المحصول ويُضمّم في ضُمم تُشوى على النّار قليلًا ثمّ توضَع على السّطح تحت حرارة الشّمس لتجفّ، وتُفرك في الغربال لفصْل الحَبّ عن القَشّ، ثمّ تُجرش حبّات القمح بواسطة الجاروشة، وهذا الحَبّ يُسمّى “فريكة”.
أيضًا كان الرُّعيان في الحقل يَشوون هذا القمح على النّار وهو أخضر، ويأكلونه في أثناء تأديتهم عملهم.