نَجَح الدُّروز على مَدى مِئات السِّنين، وتَحْديدًا مُنْذ تأسيس العَقيدَة الدُّرْزيَّة في القَرْن الحادي عَشَر في ظِلِّ الدَّوْلَة الفاطِميَّة، في الحِفاظ على وُجودِهم رَغْم قِلَّة عَدَدهم، ورَغْم الإشْكاليَّة الشَّرْعيَّة والدّينيَّة المُرْتَبطة بتَصْنيفِهم فِرْقَةً باطِنيَّة كَفَّرَتْها مَرْجِعيّات فِقْهيَّة إسْلاميَّة، وعلى رأسِها شيخ الإسلام الفَقيه الحَنْبَليّ ابْن تَيْميَّة.
اسْتَطاع الدُّروز الحِفاظ على وُجودِهم أيضًا في ظِلِّ غياب حَاضِنة إقْليميَّة أو دَوْليَّة دَافَعَت عَنْهم أو سَانَدَتْهم. كانَت غَريزَة البَقاء هَذِه عُنْصُرًا مِحْوريًّا في الحِفاظ على وُجودِهم في المِنْطَقة، إلّا أنّ الأَمْر أَيْضًا وَليدُ كَوْنِهم جُزْءً لا يَتَجَزَّأ مِن النَّسيج الاجْتِماعيّ والثَّقافيّ لِلْمِنْطَقة. يُضافُ إلى ذَلِك أنّ الدُّروز اخْتاروا العُزْلة إمّا في المَناطِق الجَبَليَّة، وإمّا في المَناطِق الرّيفيَّة مِن أجْل الحِفاظ على الخُصوصيَّة الدّينيَّة والعَقائِديَّة الَّتي شَكَّلَت نَواة وُجودِهم. غيرَ أنّ النَّزاهَة التّاريخيَّة تُحَتِّم عِليْنا أَيْضاً القَوْل إنّ الدُّوَل الإسْلاميَّة الَّتي تَتالَت على المِنْطَقة مُنْذ القَرْن الحادي عَشَر وحتّى اليَوْم لَم تَحْتَكِم إلى النَّصّ الدّينيّ أو الشَّرْعيّ لِبَلْوَرَة سِياسَتِها تُجاه المَجْموعات الدّينيَّة والعَقائِديَّة والمَذْهَبيَّة الَّتي كانَت مَصْدَر إشْكال؛ وخَيْر دَليل على ذَلِك تاريخ الدُّروز في لُبْنان، حَيْث نَجَحوا في تَأْسيس إمارَة في كَنَف الدَّوْلَة الإسْلاميَّة وباعْتِرافٍ مِنها بشَرْعيَّة وُجودِها.
جاء سُقوط الدَّوْلَة العُثْمانيَّة وتَأْسيس الدُّوَل الحَديثَة لِيَخْلُق واقِعًا جَديدًا تَحَتَّم على الدُّروز تَطْوير آليّات لِلتَّعايُش والتَّأَقْلُم مَعَه؛ حَيْث تَرَسَّخَت القَناعات لَدى المَجْموعات الأسَاسيَّة في المِنْطَقة بأنّ لِكُلِّ مَجْموعَة خُصوصيَّتَها ولِكُلِّ مَجْموعَة مَرْجِعيَّتَها. هَذِه القَناعات لَم تَكُن في يَوْمٍ مِن الأيّام دَلالَة قَطيعَة أو تَفْكيكٍ لأَواصِر الوِجْدان الدُّرْزيّ؛ فَقَد حَدَث أن انْبَرى دُروز سوريَا لِلدِّفاع عَن الدُّروز في البِلاد في أعْقاب الهَجَمات المِتَكَرِّرة على الدُّروز في شَفا عَمْرو خِلال ثَوْرَة فِلَسْطين الكُبْرى بَيْن العامَيْن 1936-1939. كَما حَدَث أن انْبَرى الدُّروز في إسرائيل لإقْناع دَوْلَة إسرائيل عام 1954 بالدِّفاع عَن دُروز سوريَا في ظِلِّ الهَجْمة الشَّرِسة الَّتي شَنَّها نِظام الرَّئيس أديب الشّيشَكْلي، والَّتي كانَت تَهْدِف إلى إخْضاع الدُّروز لِسُلْطَة الحُكومَة المَرْكَزيَّة في دِمَشْق. وفي السِّياق ذاتِه، اصْطَفَّ الدُّروز في إسرائيل قيادَةً ومُجْتَمَعًا لِلدِّفاع عَن دُروز لُبْنان في ظِلِّ تَسَلُّل القُوّات الكَتائِبيَّة إلى قُرى الدُّروز في جِبال الشّوف وعالَيْه. ولَعَلَّ مَوْقِف الدُّروز في إسرائيل مُنْذ انْدِلاع الثَّوْرَة السُّوريَّة عام 2011 دَلالَة قاطِعَة على الهاجِس الأقَلَويّ المُتَداخِل مَع غَريزَة البَقاء لَدى الدُّروز؛ فَلَيْس سِرًّا أنّه ومُنْذ انْدِلاع الثَّوْرَة بَدَأ يزْداد الحَديث في المُجْتَمع الدُّرْزيّ عَن مَصير الدُّروز في سوريَا في حال سُقوط النِّظام. إلّا أنّ الأهَمَّ مِن ذَلِك كان تَجَنُّد القِيادَة والعُموم على حَدٍّ سَواء لِتَقْديم العَوْن لِلأهْل في سوريَا؛ وفي الفَتْرَة المُمْتَدَّة مِن عام 2011 وحتّى أيّامِنا هَذِه، سُجِّلَت حَمَلات عِدَّة بهَدَف جَمْع التَّبَرُّعات وإرْسال المُساعَدات الماليَّة والإنْسانيَّة والمادّيَّة لِلأهْل هناك.
الرّبيع العربيّ وصعود الإسلام السّياسيّ الجهاديّ:
جاءَت ثَوْرات ما سُمِّيَ “الرَّبيع العَرَبيّ” لِتُعيد فَرْز مُشْكِلَة الأقَلّيّات في الشَّرْق الأوْسَط، هَذِه المِشْكِلَة الَّتي ازْدادَت حِدَّتُها مَع صُعُود البَديل الإسْلامَويّ أو الجِهاديّ في البِلاد العَرَبيَّة الَّتي شَهِدَت ثَوْرات شَعْبيَّة. تَعَرَّضَت الأقَلّيّات الدّينيَّة والعِرْقيَّة والقَوْميَّة لِمَوْجَة غير مَسْبوَقة مِن الاضْطِهاد والتَّقْتيل، إلّا أنّ التَّبِعات المِتَرَتِّبة على هَذِه الثَّوْرات لَم تَتَوَقَّف عِنْد فَوْرات القَتْل الجَماعيّ، إنَّما الأَخْطَر مِن ذَلِك كان هَيْمَنة أَيْديولوجيّات دينيَّة أسْقَطَت حَقَّ هَذِه الأقَلّيّات في الحَياة الكَريمة وأجْرَت عِليْها السَّيْف بِمَنْطِقٍ تَكْفيَريّ يُسْقِط حَقَّها في المُواطَنة والحَياة المِجَرَّدة. شَهِد العَقْدان الأخيران هَجَمات مُتَكَرِّرة على مُجْمَل الأقَلّيّات في المِنْطَقة، حَيْث تَعَرَّض الأقْباط في مِصْر لاعتداءات مُتَكَرِّرة فَتَحَت أبْواب الهِجْرة على مِصْراعَيْها، وكَذلِك الأَمْر بالنِّسْبة لِلْمَسيحيّين في سوريَا والعِراق، مِمّا أدّى إلى نَزيف هِجْرة أفْرَغ المِنْطَقة مِن مَسيحيّيها. المَصير ذاتُه انْسَحَب على الأقَلّيَّة اليَزيديَّة في العِراق والدُّروز في سوريَا.
إنّ الإفْراز الفَوْضَويّ لِلرَّبيع العَرَبيّ أسْقَط هَيْبَة الدَّوْلَة وحَجَّم سُلْطَتَها، وفَسَح المَجال لِتَمَوْضُع البَديل الإسْلامَويّ الَّذِي جاء جِهاديًّا-تَكْفيَريًّا في مُجْتَمَعات مُتَعَدِّدة مِثْل سوريَا والعِراق، فَكانَت أُحادِيَّة الأَيْديولوجِيا ناسِفة لِواقِع التَّعَدُّد. بَرَّر رَأْس النِّظام الجَديد في سوريَا هَذا بقَوْلِه إنّ الانسجام شَرْط أساسيّ لِتَحْقيق الاستقرار ولِتَثْبيت أقْدام النِّظام في المَرْحَلة الانتقاليّة. لَيْس كُلُّ هَذا التَّنْظير مَحْض عَبَث، إنَّما هُو جُزْء أساسيّ ولَرُبَّما الأهَمُّ في المِعْضَلة الَّتي يواجهها الدُّروز في الشَّرْق الأوْسَط. لَقَد تَعَرَّض الدُّروز في سوريا في تمّوز 2025 لأسْوَأ مَجْزَرة في تاريخِهم الحَديث مُنْذ مَطْلَع القَرْن العِشْرين، وجاءَت هَذِه المَجْزَرة باسْم النَّصّ الدّينيّ-التَّكْفيَريّ، ذَلِك أنّ الدُّروز في سوريَا لَم يَكونوا جُزْءً مِن الحَرْب الأَهْليَّة الَّتي دارَت رَحاها مُنْذ عام 2013. كَما أنّ المَجْزَرة نُفِّذَت بقَرارٍ سِياسيّ وعلى أيْدي الأجْهِزَة الأمْنيَّة التّابِعَة لِلدَّوْلَة.
مجزرة السّويداء وانكشاف هشاشة الوضعيّة الأقلويّة:
كَشَفَت المَجْزَرة الحاصِلة في السُّوَيْداء هَشاشَة الوَضْعيَّة الأقليّة لِلْدُّروز في ظِلِّ غياب قوَّة عَسْكَريَّة أو حَاضِنة دَوْليَّة أو إقْليميَّة. ومِن الواضِح الآن أنّه وإن لَم تَمْنَع إسرائيل وُقوع مَقْتَلة السُّوَيْداء، إلّا أنّ التَّدَخُّل العَسْكَريّ الإسْرائيليّ كان العَامل الأساسيّ الَّذِي أوْقَف المَجْزَرة، رَغْم أنّها جَارَت كَثيرًا على الأهْل في سوريَا وأصَابَت كَرامَتَهم في الصَّميم. وفي السِّياق ذاتِه، لا بُدَّ مِن القَوْل ورَغْم الأَلَم الحاصِل والجُرْح العَميق بفِعْل مَجازِر النِّظام، إلّا أنّ تَعْقيدات المَوْقِف الدّاخليّ والإقْليميّ تُحَتِّم أَيْضًا على الأهْل في السُّوَيْداء الاحتكام إلى الخِيارات العَقْلانيَّة دون التَّنازُل عَن الحُقوق، والتَّمَسُّك بالثَّوابِت وعلى رأسِها مَنْع دُخول قوّات النِّظام إلى مَناطِق الدُّروز. بات جَليًّا الآن أنّ الخِيارات الانفصاليّة أو الانعزاليّة لَيْسَت وارِدة بحُكْم تَعْقيدات المَشْهَد السُّوريّ والإقْليميّ؛ فَمَنْظومَة الدُّوَل في الشَّرْق الأوْسَط، وإن كانَت في سَوادِها الأعْظَم هَشَّة، إلّا أنّها تَرْفُض رَفْضًا مُطْلَقًا مَنْطِق التَّقْسيم أو التَّجْزِئَة. ولَعَلَّ حال مُحافَظة السُّوَيْداء الآن، الواقِعة تَحْت الحِصار مِن قِبَل النِّظام الحاكِم في دِمَشْق، دَلالَة كافيَة على
المَخاطِر الكامِنة في الخِيارات الانفصاليّة أو الانعزاليّة. لَقَد تَعَرَّض الدُّروز في سوريَا لِهَزيمَة غير مَسْبوَقة في تاريخِهم؛ فَعَلى مَدى تاريخِهم الطَّويل في سوريَا لَم يَتَعَرَّضوا لِهَكَذا مَقْتَلة وانْتِهاكات، الأَمْر الَّذِي يَطْرَح تَساؤُلات حَقيقيَّة حَوْل مُسْتَقْبَل الوُجود الدُّرْزيّ في المِنْطَقة وفي سوريَا على وَجْه الخُصوص. بَعْد مُرور ألْف عامٍ ونَيِّف على تَأْسيس دين التَّوْحيد، يَبْدو أنّ وُجود الدُّروز كأقَلّيَّة لَها خُصوصيَّتُها الدّينيَّة لَم يَعُد أمْرًا مَفْهومًا ضِمْنًا، كَغيرِهم مِن أقَلّيّات أُخْرى تُرِكَت لِتُواِجه مَصيرَها في ظِلِّ تَفَكُّك سُلْطَة الدَّوْلَة وظُهور تَنْظيمات إسلاميّة -تَكْفيَريَّة تَرْفُض أَيْديولوجيًّا المَفاهيم الَّتي تَسْتَنِد إليها الدَّوْلَة الحَديثَة.
المطلوب على مستوى القيادة:
إنّ الحَدَّ الأدْنى المَطْلوب مِن القِيادات الدُّرْزيَّة في الدُّوَل الثَّلاث في ظِلِّ مَقْتَلة السُّوَيْداء كان اتِّخاذ مَوْقِفٍ مُوَحَّد على مُسْتَوى الإقْليم، وتَفْعيل كُلِّ الإمْكانيّات والطّاقات والجُهود لِوَقْف المَجْزَرة ولِتَجْريم النِّظام الحاكِم في دِمَشْق. إنّ مَقْتَلة السُّوَيْداء هي حَدَث مَفْصِليّ في التّاريخ الحَديث لِلْدُّروز، ودَلالَة كاشِفة على حَجْم التَّحَدّي الوُجوديّ الَّذِي يَنْتَظِرُهم. لَقَد أثْبَتَت مَقْتَلة السُّوَيْداء أنّ الدُّروز لا يَمْلِكون أيَّ خِيارٍ عَسْكَريّ في مُواجَهة آلة القَتْل الَّتي وُظِّفَت ضِدَّهم. وفي ضَوْء ذَلِك، لا بُدَّ مِن التَّفْكير جِدّيًّا بتَأْسيس مَنْظومة تَتَجاوَز الحُدود وتَبْني رُؤْيَة واسْتْراتيجيَّة عَمَل لِلْحِفاظ على وُجود الدُّروز في المِنْطَقة. إنَّه لَمِن المِؤْسِف القَوْل إنّ ما حَلَّ بالدُّروز لَم يَكُن كافِيًا لِرَدْع قيادات دُرْزيَّة اعتادَت على شَخْصَنة السِّياسَة، عَن رَسْم مَواقِفِها بِناءً على تَصْفيَة حِسابات مَع نِظام البَعْث الَّذِي لَطالَما قاتَلَت ببُنْدُقيَّتِه، وفي تَغاضٍ صارِخ عَمّا ارْتَكَبَتْهُ قوّات النِّظام الجَديد في سوريَا بحَقِّ الدُّروز. بَل إنّ هَذِه القِيادات انْبَرَت ضِدَّ القِيادَة الرُّوحيَّة لِلْدُّروز في إسرائيل، وعلى رأسِها الشَّيْخ أبُو حَسَن مُوَفَّق طَريف، واعْتَبَرَت أنّ تَجَنُّد هَذِه الأَخيرَة في المَنابِر المَحَليَّة والإقْليميَّة والدَّوْليَّة لِلْدِّفاع عَن الوُجود الدُّرْزيّ في سوريَا هو صِراع زَعامات ومُحاوَلة هَيْمَنة على المَشْهَد الدُّرْزيّ.
في ظِلِّ الأحْداث العِظام الَّتي شَهِدَتْها المِنْطَقة بدءً مِن هُجوم ومَجْزَرة السّابِع مِن أُكْتوبَر عام 2023، وانْتِهاءً بسُقوط نِظام البَعْث في سوريَا ومَقْتَلة السُّوَيْداء والحَرْب على إيران، تَتَّجِه مِنْطَقة الشَّرْق الأوْسَط نَحْو إعادة تَشْكيلِها مِن جَديد. وهَذا المَخاض الَّذِي تَمُرُّ به المِنْطَقة يُحَتِّم على الدُّروز كَمَجْموعَة وعلى القِيادات الدُّرْزيَّة طَرْح رُؤْيَة عَقْلانيَّة-واقِعيَّة تَأْخُذ بعَيْن الاعتبار مَحْدوديّة القوَّة وكُلَّ جُزْئيّات المُحيط، وفي نَفْس الوَقْت تَسْعى لِتَوْظيف الإرْث التّاريخيّ المُمْتَدّ على أكْثَر مِن ألْف عام مِن أجْل ضَمان تَطْوير آليّات جَديدَة لِلْحِفاظ على وُجود الدُّروز. البِدايَة تَكون بوَعْيٍ مُتَأَصِّل خُلاصَتُه أنّ الدُّروز جُزْء لا يَتَجَزَّأ مِن هَذا المُحيط، فَهَذِه القَناعَة بحَدِّ ذاتِها هي ضَمانَة وُجود ومَبْعَث قوَّة بات الدُّروز بأمَسِّ الحاجَة إليها لِلتَّأْكيد على أنَّهم لَيْسوا مُجَرَّد عابِري سَبيل في هَذِه المِنْطَقة. v

د. يسري خيزران
مؤرخ وباحث ومحاضر في دراسات الشرق الأوسط والإسلام.
د. يسري خيزران مُحاضر كبير في مركز “شاليم” الأكاديميّ، رئيس معهد الأبحاث في مركز التّراث الدّرزيّ، وزميل بحث في معهد “طرومان”، في القدس. أنهى دراسته العليا في الجامعة العبريّة، في القدس. مجال اختصاصه الرّئيس هو تاريخ منطقة الهلال الخصيب السّياسيّ والاجتماعيّ. بعد نيله درجة الدّكتوراة حصل د. يسري على منحة “فولبرايت” وقضى عامَيْن في جامعة “هارفارد”، ضمن مرحلة ما بعد الدّكتوراة، وذلك تحت إشراف بروفيسور روجر أون. نشر كتابًا وعدّة مقالات في مجلّات هامّة في هذا المضمار. حاليًّا د. يسري يجري بحثًا حول إسرائيل وحِلف الأقلّيّات.