عود الى بدء
هذه قصّة قلم، قبل ان تكون قصّة كاتب! وقد تعذّب هذا القلم، وثار.. وطاف بين أرجاء الدنيا، وتعرّف إلى مختلف الحكّام والملوك والرّؤساء، وعاش في اجواء مختلفة متباينة، ولكنّه كان دومًا يغنّي موال الحياة، ويجعل من الحزن والأسى مدادًا يكتب به قصّة هذه الحياة..
أخي القارئ،
لقد علّمتني الحياة أشياء كثيرة وكثيرة.. علّمتني أشياء لا تُعدّ ولا تُحصى.. نعم لقد تعلّمت من الحياة ما لم أتعلّمه وأنا على مقعدي الدراسي، أو على الكرسيّ المتحرّك الّذي أجلس عليه اثناء مزاولة عملي.. أو على الكرسيّ الخشبيّ الّذي أجلس عليه عندما أمسك باليراع فاخطّ مذكراتي.. فالحياة هي الأم، هي المدرسة وهي الجامعة.. وهي السّاحة العمليّة لاكتساب الخبرات، والخبرات لا تأتي من فراغ إنّما من خلال العمل.. فماذا علّمتني الحياة…؟؟
لقد علّمتني الحياة أن أكون صاحب فكر ومبدأ، صاحب أسلوب وصاحب قاعدة قويّة ومستوية انطلق منها إلى حيث شئت.. فالحياة علّمتني ان أحبّ المبدأ لأنّه مبدأ، لا لأنّ النّاس تتّبع هذا المبدأ…
أن أواجه الصعاب بعقل واسع، وقلب صافٍ وتفكير واعٍ، مع أنّني طيب المزاج وحادّ النّقاش.. ولكن لكل مقام مقال.. فالأمور متلوّنة والحقائق متنوّعة.. والاحداث لها أشكال مغايرة…
أن أفرِّق بين الواجب واللازم، بين المجاملة والاحترام، وبين اللازم، وتقبيل الأيدي…
علّمتني الحبّ والكره ولذلك أحببت الخير وروّاده وكرهت الشّرّ وأصحابه.
أن أشعر وأحسب الحب وأن اتجنّب الكره- فالكره ليس إلا جرثومة خطيرة تتولّد نتيجة الحقد والحسد والبغض بين النّاس. وفي ذلك يقول عنترة:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرّتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب
أن أكون سخيًا وكريمًا- لأن السّخاء من شيم الاتقياء والكرام عنوان الرّجال…
لا أخاف ولا أبالي ما دمت على حقّ، لأن الحقّ باقٍ. وإن لم يظهر اليوم فسيظهر غدًا والخوف ليس له مكان.. ما دمت أعرف أسباب الخوف ونتائجه وآثاره…
عّلمتني البكاء، مع أن البكاء أنواع. وما أجمل البكاء النّابع من القلب لأن البكاء فيه طهارة للقلوب- وشفاء للعيون.. وراحة للضّمير…!!
تعلّمت من الحياة الاعتماد على النّفس- لذلك كنت شجاعًا- لأن من يعتمد على نفسه يربح في الحياة.. ومن يعتمد على الآخرين- فأنها مصيبة- والاعتماد على الآخرين بالنّسبة لي هم قاتل.. لذلك اخترت جميع الأعمال الّتي هي بحاجة إلى تواضع..
تعلّمت سرّ الذّكاء الخارق، لأّن الذّكاء نعمة من نِعم الله على الإنسان، ولكن وبمقارعة الحياة والخوض في ساعاتها وأيّامها.. والتّغلّب على مشاكلها.. ومجابهة عقباتها ومواجهتها كلّ ذلك كان يزيدني نباهة وتفكيرًا فكان ذلك سبب نجاحي ولا سبب صمودي ثانيًا..
وصدق قول الشاعر:
ومن لا يحبّ صعود الجبال يعش أبد الدّهر بين الحُفر
فلا الأفق يحضن ميت الطّيور ولا النّحل يلثم ميت الزّهر
تعلّمت ألّا أشكي همومي للآخرين..
فما أصعب أن يشكو الإنسان همومه للجمادات.. فهي لا تعي ولا تسمع.. لذلك تعلّمت أن أجلس وحيدًا وأشكو همومي لنفسي…!!
تعلّمت أن أحسن لمن يستحقّ الإحسان فالنّاس اجناس وما أسهل اختبارهم… وما أكثر حركاتهم الإيجابيّة والسلبيّة.. لأن من النّاس من يحسّ ومنهم من اندثر إحساسه في أودية عميقة، لماذا…؟ لأن من يلبس الثّوب الأبيض من النّاس يخاف من كلّ شيء.. لأن كلّ شيء مؤثّر وله تأثيره السّلبيّ.. أمّا من أحبّ اللون الاسود ولبس الثوب الاسود فحدث ولا حرج… لا يخاف… فلا شيء يؤثر في الأسود…!! تعلّمت الإخلاص في كلّ عمل أقوم به.. لأن الإخلاص عنوان النّجاح، والرّياء مصيره الظّهور والزّوال في آن واحد، وفي المناسبة أقول: إنّ الرّجال نوعان نوع تصنعه الوظيفة فيزول بزوالها، ونوع يصنع الوظيفة فيبقى وإن زالت الوظيفة…
علّمتني الحياة أن أجالس الصّغير والكبير- العامي والمثقّف- الجبان والشّجاع الغني والفقير- فالفائدة عظيمة والآثار إيجابيّة والثّمار طيبة- وكلّ ذلك لا تستطيع الحصول عليه إلا من النّقائض… فاختيار المواقع سهل جدًّا والتّمييز بين النّاقض صعب للغاية.. لا عيب ولا عار أن يجالس المرء جميع الفئات والطّبقات، لكن ليضع التّمييز والاختبار في الحسبان..!!
((بعض النّاس يولد عظيمًا، وبعضهم يصبح عظيمًا، وبعضهم يحقّق العظمة، أمّا بعضهم فيجد العظمة تلقى على كتفيه.)) شكسبير. لقد تعلّمت من الحياة سرّ التّواضع فكنت متواضعًا في مأكلي ومشربي وملبسي حتّى وأنا أجلس للاستراحة من عناء العمل!! هكذا علّمتني الحياة وأكثرها تعلّمته من الحياة كيفيّة مخاطبة العالِم والجاهل.. فهكذا تعلّمت من الحياة ونتيجة لذلك أحببت الحياة.!! والله على ما أقول شهيد… v