الموقع قيد التحديث!

التّقمّص بين العلم والإيمان

بقلم الدّكتور فؤاد شامي – دالية الكرمل
Dr.fshami@gmail.com

مقدّمة

موضوع التّقمّص، كان وما يزال واردًا في الحضارات المختلفة من فجر التّاريخ حتّى يومنا هذا. على الرّغم أنّ المبدأ المشترك للموضوع في هذه الحضارات، يتمثّل في مراحل انتقال روح إنسان تُوفّي إلى عالم الأرواح، وتعود ثانية لجسم طفل وُلد حديثًا. إلّا أنّ الطُّرق في فهم وشرح المراحل كعمليّة لمرّة واحدة، أو كعمليّة متكرِّرة، أو كعمليّة تكرُّر بلا نهاية، أو في فكرة انتقال روح إنسان لإنسان آخر، أو انتقال الرّوح لكائنات حيّة أخرى، كالنّبات أو الحيوان أو الجماد، ما زال يشغل الفكر الإنسانيّ حتّى يومنا هذا. والتّفكير المقبول والسّائد اليوم في موضوع التّقمّص، هو بأنّ الإنسان الميّت، تعود روحه لتسكن في شخص آخر، وذلك لكي يكمل دوره في الوجود، من ناحية أعماله الطيّبة أو السيّئة في دوره السّابق.

وقد ظهر التّقمّص في الدّيانات والحضارات الآتية: الدّيانة اليهوديّة، والدّيانات الشّرقيّة: الدّيانة الهندوسيّة، والدّيانة البوذيّة، وفي الحضارة اليونانيّة، والدّيانة التّوحيديّة (الدرزية).

ولم يزل البحث العلميّ الحديث منشغلًا في إيجاد تفسير لظاهرة التّقمّص، وذلك نتيجة لتعدُّد حالات موثّقة ومسجّلة لقصص أطفال نطقوا، ووصفوا وأثبتوا بأنّهم كانوا في دورهم السّابق ينتمون لعائلات سابقة.

وظاهرة التّقمّص لعبت دورًا في مجال علم النّفس (פסיכולוגיה) كأداة للمعالجة في الطبّ البديل، والتّنويم المغناطيسيّ (היפנוזה) وإرجاع الشّخص المعالَج إلى سنين سابقة، ليخبر الحاضرين عن تاريخه في جيله السّابق بعد أن خضع لتأثير التّنويم المغناطيسيّ.

والجدير ذكره أنّ موضوع التّقمّص (גלגול נשמות)، والتّخاطر(טלפתיה)، والتّنبّؤ (ראיית הנולד)، والقدرة على توقّعات المستقبل (חיזוי העתיד)، والإدراك الحسيّ المبكِّر (תפיסה על-חושית)، والتّحريك الذّهنيّ (פסיכוקינזיס أو טלקינזיס) وغيرها، هي مواضيع تجتمع في مجال “علم ما وراء الحواس (פאראפסיכולוגיה)”، الّذي يشير إلى مجموعة من المعارف، أو الممارسات الّتي تدّعي أنّها علميّة أو مدعومة بالعلم، ولكنّها وفقًا للرّأي المقبول لدى المجتمع العلميّ، لا تفي بمتطلّبات المنهج العلميّ. وذلك لأنّها لا تقبل أو تخضع لمنهج الإثبات العلميّ.

أمّا في مجتمعنا التّوحيديّ، فيعود موضوع التّقمّص ليحتلّ مكانه في الحديث بين حين وآخر، عندما نسمع قصّة أو حدثًا لتجربة وقعت أحداثها عند أطفال، وتطابقت في معطيّاتها لما كان في الدّور السّابق.

وأنا كفرد من أفراد مجتمع يؤمن بمذهب التّقمّص؛ ويؤمن بأنّ وفاة الإنسان ليست نهاية ‎قصّته،‏ بل مجرّد تغيير من حالة إلى أخرى، أو من صورة الى صورة ثانية، أو ‎نقلة‏ من هذه الدّار إلى الدّار الخالدة. وإلى ما توصّل إليه علم الطّبيعة عن الطّاقة والمادّة الّتي يمكن أن تتنقل من حالة الى أخرى، وأن تتدرّج من شكل إلى آخر، كان لا بدّ لي من أن أفكّر في وضع فكرة أو إسناد قاعدة تحكم العلاقة بين الاصطلاحيْن: الرّوح والطّاقة. ‏

إنّ مجهودي هنا، ما هو إلّا محاولة لعرض التّشابه الكبير بين الاصطلاحيْن‎: بين قانون “حفظ الرّوح” أو “خلود الرّوح” (التّقمّص גלגול נשמות)، وبين قانون “حفظ الطّاقة” أو “بدائل الطّاقة” (גלגול אנרגיה).

قبل الدّخول في لبّ الموضوع، وفي عرض وشرح قانون يوفّق بين الاصطلاحيٍن، من الواجب إعطاء فكرة بالنّسبة لمكانة الإيمان مقابل البرنامج العلميّ.

الإيمان مقابل البرنامج العلميّ

أولًا: ماهيّة الإيمان

الإيمان هو موقف معرفيّ- وجدانيّ يقوم على التصديق بما يتجاوز البرهان التّجريبيّ المباشر. ويعتمد على الثّقة، والمعنى، والقيم، وغالبًا ما يرتبط بالدّين أو الفلسفة أو الرّؤية الوجوديّة للحياة.

خصائص الإيمان:

•        يتجاوز الحواسّ والتّجربة: يتعامل مع قضايا مثل الغاية، والمعنى، والوجود المطلق.

•        شخصيّ وجماعيّ في آنٍ واحد: يعيش في ضمير الفرد لكنّه يتجلّى في تقاليد وثقافات.

•        غير قابل للاختبار التّجريبيّ: لا يمكن إثباته أو نفيه بأدوات المختبرات العلميّة.

•        مرتبط بالقيم: يؤثّر في الأخلاق والسّلوك واتّخاذ القرار.

الإيمان يقدّم للإنسان إجابات عن “لماذا نعيش؟” و“ما الغاية؟” وهي أسئلة لا تستطيع الأدوات العلميّة وحدها حسمها.

ثانيًا: ماهيّة البرنامج العلميّ

البرنامج العلميّ هو منهج منظّم لفهم العالم الطّبيعيّ عبر الملاحظة، والفرضيّة، والتّجربة، والتّحقّق. ويقوم على قابليّة النّتائج للتّكرار والنّقد والتّطوير.

خصائص البرنامج العلميّ:

•        تجريبيّ وموضوعيّ: يعتمد على الأدلّة القابلة للقياس.

•        قابل للتّعديل: المعرفة العلميّة مؤقّتة وقابلة للمراجعة.

•        تراكميّ: كلّ اكتشاف يُبنى على ما قبله.

•        تفسيريّ وتنبؤيّ: لا يصف الظواهر فقط، بل يسعى لتفسيرها والتّنبّؤ بها.

والعلم يجيب عن أسئلة مثل: كيف تعمل الظّواهر؟ وما القوانين الّتي تحكمها؟

ثالثًا: نقاط الاختلاف الأساسيّة

1.      المجال: ا- الإيمان: المعنى والقيم والوجود.

ب- العلم: الطّبيعة والظّواهر الماديّة.

2.      المنهج: ا- الإيمان: الثّقة والتّسليم أو التّأمّل الفلسفيّ.

ب- العلم: التّجربة والتّحليل والنّقد.

3.      نوع الحقيقة: ا- الإيمان: حقيقة وجوديّة أو روحيّة.

ب- العلم: حقيقة مؤقّتة قابلة للاختبار.

4.      لغة التّفسير: ا- الإيمان: رمزيّة وتأويليّة.

ب- العلم: رياضيّة وتجريبيّة.

رابعًا: إمكان التّكامل بدل التّعارض

رغم التّوتّر التّاريخيّ بينهما، يمكن النّظر إلى الإيمان والعلم كـمستويين مختلفيْن للفهم، وليس كخصميْن.

•        العلم يشرح آليّات الكون، بينما الإيمان يبحث في معناه.

•        العلم يمنح الإنسان قوّة تقنيّة، والإيمان يمنحه اتّجاهًا أخلاقيًّا.

•        غياب أحدهما قد يؤدّي إلى خلل: علم بلا قيم قد يؤدّي إلى خراب ودمار.

–  إيمان بلا عقل قد ينزلق إلى الجمود أو التّعصّب.

خامسًا: إشكاليّات فلسفيّة معاصرة

في العصر الحديث، ظهرت أسئلة جديدة:

•        هل يمكن للعلم أن يفسّر الوعي والمعنى بالكامل؟

•        هل الإيمان ضرورة نفسيّة أم معرفة حقيقيّة؟

•        هل توجد حدود نهائيّة للمنهج العلميّ؟

هذه الأسئلة تؤكّد أنّ العلاقة بين المجاليْن ليست مغلقة، بل مفتوحة للتأمّل والنقاش.

خلاصة المقدّمة

الإيمان والبرنامج العلميّ يمثّلان نمطيْن مختلفيْن من السّعي نحو الحقيقة. الأوّل يبحث عن المعنى والغاية، والثّاني عن القوانين والآليّات. والتّوازن بينهما قد يشكّل رؤية إنسانيّة أكثر شمولًا، حيث يُستخدم العقل دون إلغاء البُعد الرّوحيّ، ويُحتفظ بالقيم دون رفض المعرفة التّجريبيّة.

مفهوم الرّوح عبر التاريخ

لم يكن إدراك الإنسان البدائيّ القديم يقتصر فقط على إشباع غرائزه، ومواجهة أخطار الحياة في إطار إدراكه الغريزيّ الموروث للمحافظة على بقائه، كما هو الحال لدى سائر الحيوانات كصراع للبقاء. وإنّما تميّز عنها ببصيرة أوسع أُفقًا وذكاء، وجعله ينتبه إلى ما يدور حوله من ظواهر طبيعيّة ويحاول أن يجد لها تعليلًا.

وعندما فتح ذهنه على هذه الأمور، أثارت دهشته في بداية الأمر علامات الاختلاف الواضح بين الجسد الحيّ والجسد الميّت، سواء كان بين بني جنسه أو عند الحيوان. واستنتج بعقليّته البدائيّة أنّ ثمّة شيئًا يكمن في جسد الكائن الحيّ ولا يوجد في الجسد الميّت وأنّ حياة الجسد وحركته ترجعان إلى قوّة خفيّة جائلة فيه، وأنّ هذه القوّة إذا فارقته أخذت معها الحياة والحركة، وتركته هامدًا يأكله البلى والتحلّل والدّمار.

ومفتاح هذا الغموض، كان مركّزًا فيما كان يرى في أحلامه من أفراد يعيشون معه، وآخرين ممّن فارقوا الحياة ودخلوا في دائرة الموت. وبعد طول تأمّل وتفكير، استطاع أن يدرك أنّ الإنسان مركّب من وجوديْن، أحدهما هذا الجسد النائم، والآخر نفس الشخص يراه في أحلامه في أماكن متعدّدة. فاستنتج ورأى في النوم انفصالا قصير المدى، بين جسد الفرد وطيفه، أمّا في الموت فقد رأى انفصالا طويلا أبديّا.

هكذا بدأت عقيدة الإنسان الأوّل في الروح، وشغل طويلا بها حتّى عرف من خصائصها أنّها ذات رقّة وشفافيّة، تنفذ ممّا يعترضها من موانع أو حواجز. وأنّها سريعة جدّا، تقطع مسافات واسعة في أوقات قصيرة (كما يظهر في الأحلام). وأنّها لا تفنى، وإنّما تنفصل عن الجسد.

قول المصادر عن الروح:

1.      الروح مجمع القوى في الإنسان.

2.      رأى الفلاسفة اليونانيّون (أمثال تلس תלס, انخسموس אנכסמוס, انخسمندروس אנכסמנדרוס) أنّ الرّوح أساس الحياة والحركة في المادّة، سواء في جسم الإنسان أو في الطّبيعة كلّها.

3.      وضع العالم “لايفنتس לייבניץ” والفلاسفة الوضعيّون أمثال “فيخته פיכטה” , “شيلينج שילינג” و”هيجل הייגל” في مركز أبحاثهم على أنّ مفهوم الرّوح هو “قوّة الفعل المنتجة من طبيعتها درجات الوجود المختلفة”.

4.      في فترة الفيلسوف “ديكارت דיקארט” بحثت ظواهر نفسيّة مختلفة، مثل الانفعالات على أنواعها، على أساس قوانين فسيولوجيّة ميكانيكيّة: جسم الإنسان والحياة النّفسيّة الحيوانيّة هي أوتوماتيكيّة، كجهاز يمكن تفسيره باصطلاحات رياضيّة فيزيائيّة، كدفع وحركة.

5.      إنّ ما شرحه “كرناف קרנאף” في كتابه “علم النّفس باللّغة الفيزيائيّة Psychology in physical language” هو أنّ علم النّفس أحد فروع علم الطّبيعة، لذلك يجب اعتبار حياة الرّوح كأسس فيزيائيّة.

6.      حسب المذهب البوذيّ: إنّ الّذي ينتقل في التّقمّص ليس “أنا” الشّخصيّ وإنّما تيّار سببيّ عديم الشّخصيّة، والرّوح ما هي إلّا موجة مارّة خلال التّيّار. ليس هناك تشخيص دائم بل جريان لتيّار دائم وفعّال، يشبه جريان الماء الدّائم، في نهر او بهبّة شعلة مستمرّة.

مفهوم الطّاقة

إنّ كلمة “طاقة” كانت في الأصل مرادفة لكلمة “فعال”.

فمنذ مائتيّ ألف سنة وأكثر، مضت على وجود الإنسان، كان الاعتقاد السّائد هو أنّ المادّة لا يمكن أن تتحرّك من تلقاء نفسها وتتحوّل وتتفاعل، وبدا أنّ المادّة ذات المظهر الجامد، لا يمكن أن تتمتّع بصفات الحياة. ثمّ مرّ الفكر الإنسانيّ بثلاث مراحل كبيرة في تصوّره لمفهوم الطّاقة:

1.      في المرحلة الأولى: كان المفهوم ممزوجًا مع الطّاقة الرّوحيّة في مفهوم النّفس والرّوح.

2.      في المرحلة الثّانية: رأى الإنسان أنّ بعض الموادّ الجامدة قادرة على خلق الحركة دون الحياة.

3.      في المرحلة الثّالثة: بدأت بعد “أينشتاين אינשטיין”، فالطّاقة ليست بالنّسبة لنا مادّة خاصّة وإنّما هي صفة ملازمة لكلّ مادّة جامدة أو حيّة، تجعلها أن تتحوّل وأن تتغيّر وأن تولّد حالات فيزيائيّة وكيميائيّة جديدة، وأن تؤثّر على غيرها من الموادّ من بعد، فتثير فيها عمليّة التّطوّر نفسها.

مع هذه المرحلة اختفت الحدود بين المادّة الجامدة والحياة، وتركت المجال لعدد كبير من الحالات المهمّة الّتي تملك أحيانًا صفات الرّوح، وأحيانًا صفات المادّة.

فالطّاقة إذًا، كيان مجرّد لا تُعرف إلّا من خلال تحوّلاتها، فبإمكاننا القول: “أنظروا إلى شلّالاتي: أنا الحركة، انظروا إلى مراجلي: أنا الحرارة، انظروا مولّداتي: أنا الكهرباء، أُنظروا اخضرار أشجاري: أنا التّحليل الكلوروفيلي”.

فالطّاقة لا يمكن ملاحظتها إلّا من خلال تحوّلاتها المتتالية، والأمر الوحيد الثّابت اليوم، هو أنّ الطّاقة يمكن حفظها وخزنها. أنّها كميّة ثابتة بالمعنى الرّياضيّ. وكان أوّل من أدرك ذلك، هو العالم الكيميائيّ الفرنسيّ “لافوا زييه לפואזיה” حين قال: “لا شيء يُفقد، لا شيء يحدث من لا شيء، الكلّ في تحوّل”, وهكذا يكون المفهوم الحديث للطّاقة الميكانيكيّة كصفة تمتلكها مجموعة الآلات في تنفيذ عمل، أو “قدرة الجسم على إنجاز عمل، كالنّابض (القوس) المشدود في آلة السّاعة الّذي يحرّك عجلاتها، كالمياه المحصورة وراء سدّ القادرة على تحريك عجلات الطّاحونة، أو المياه المتدفّقة الّتي تحرّك عجلات المولّدات الكهربائيّة، وكالرّصاصة المتحرّكة القادرة على ثقب لوح من حديد… الخ.

لكلّ هذه الأجسام القدرة على إنجاز عمل، في ظروفها المعيّنة.

أنواع الطّاقة: يُعرّف العلم اليوم ستّة أشكال جوهريّة للطّاقة المستعملة وهي:

1.      الطّاقة الحراريّة – الحرارة.

2.      الطّاقة الميكانيكيّة – الحركة والثقل (الجاذبيّة).

3.      الطّاقة الكيميائيّة – التّفاعلات بين العناصر.

4.      الطّاقة النوويّة – تحوّلات النّواة الذّرّيّة.

5.      الطّاقة الكهرومغناطيسيّة – حركة الإلكترونات.

6.      الطّاقة الإشعاعيّة – تسارع الإلكترونات.

تقلّبات الطّاقة

تظهر الطّاقة على أشكال مختلفة، ويمكنها التّبدّل من حالة الى أخرى، وهذه الظّاهرة هامّة في حياة الإنسان. وقد أثبتت التّجارب الفيزيائيّة في هذا المجال على أنّ: “الطّاقة تتبدّل من شكل إلى شكل آخر، والمجموع الكامل للطّاقات على أشكالها المختلفة في التّحوّل لها قيمة ثابتة”.

فمثلًا في محطّة توليد الكهرباء، تتحوّل الطّاقة الحراريّة المستعملة لإنتاج البخار إلى طاقة ميكانيكيّة حركيّة لتشغيل آلة التّوربين لتحويل المولّد. والمولّد في دوره، يبدّل الطّاقة الميكانيكيّة الحركيّة إلى طاقة كهربائيّة، والّتي هي أساس لطاقة الضّوء والحرارة. ففي كلّ سلسلة من سلسات التّقلّبات، قدرة للطّاقة على إنجاز عمل. وبطريقة حسابات دقيقة، يمكن إيجاد قيم متعادلة في كلّ حالة، وذلك بواسطة القوانين الحسابيّة الفيزيائيّة لكلّ نوع طاقة.

هذه الظّاهرة، هي أروع ما توصّل إليه العلم من إنجازات في القرن التّاسع عشر، وأخذ الاصطلاح العامّ للطّاقة مركزه في الفكر العلميّ، وظهر أنّ المجموع الحسابيّ للطّاقات في كلّ نوع سلسة تقلّبات له قيمة وكميّة ثابتة، لا ينقص ولا يزيد. وسمى العالم “لايفنتس לייבניץ” الواقع المتحوّل في أشكال الطاقة “القوّة الحية vis viva”.

قانون حفظ الطّاقة أو خلود الطّاقة

قاعدة نصّها العالم الإنجليزي “كلفن קלווין” يقول فيها: “لا يمكن خلق الطّاقة من العدم، كما لا يمكن إفناءها”, والظّواهر الطّبيعيّة كلّها مؤسّسة على تدرّج الطّاقة من حالة إلى أخرى، فاذا أمكن في المختبر بالتّجربة المحافظة على سير التّدرُّج من حالة إلى أخرى، يتّضح باّن كلّ قيمة طاقة في كلّ حالة تكون قيمة ثابتة. فمثلا عند استيعاب جسم لكميّة من الحرارة، تكون له القدرة على إنجاز كميّة عمل في ظروف معيّنة معادلة لكميّة الحرارة التي استوعبها، أو بمعنى آخر، كميّة العمل المنجز، يكون على حساب كميّة الطّاقة المستوعبة ومساوية لها.

في سنة 1847 وضع العالم الألمانيّ “هلمهولتس הלמהולץ”, تعبيرًا رياضيًّا دقيقًا لقاعدة “حفظ الطّاقة” في مجالات علم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وأسماه “قانون الترموديناميكا الأوّل” “עיקרון התרמודינמיקה הראשון” والّذي يمكن نصّه بأشكال مختلفة:

1.      لا يجوز في وجودنا الطّبيعيّ حصر طاقة أو إيجادها من لا شيء، لذلك لا يمكن صنع جهاز أو أداة عمل تنتج طاقة من تلقاء نفسها، بدون بذل كميّة فيها متعادلة للطّاقة في أحد أشكالها.

2.      مقدار الطّاقة في كلّ دائرة تحوّلات مغلقة، يكون ثابتًا وغير متغيّر. لذلك، إذا أمكن تصوّر العالم كدائرة كبرى مغلقة لتحوّلات الطّاقة في المعنى الطّبيعيّ، فكميّة الطّاقة فيه يكون مقدارًا ثابتًا وأبديّا.

3.      في كلّ تحوّل نوع طاقة إلى نوع آخر، تنتج من الكميّة المعيّنة الأولى، كميّة معيّنة ثانية متساوية، ويمكن حسابها بشكل رياضيّ دقيق. بمعنى آخر، في تدرّج أنواع الطّاقة فيما بينها، يوازي دائمًا مقياس وحدات النّوع الأوّل، عددًا ثابتًا من وحدات القياس في كلّ نوع، هذه الأعداد متساوية القيمة للطّاقة، فمثلًا متساوية القيمة للطّاقة الحراريّة (שווה ערך לאנרגית החום) ومتساوية القيمة للطّاقة الحركيّة (שווה ערך לאנרגית תנועה) وغيرها.

ويمكن القول نتيجة لذلك: “في التّدرّجات المختلفة للطّاقة، تكون القيَم أو الكميّات متساوية وثابتة، ففي التّدرّج الدّوريّ متساوية القيم (שווה ערך) للحالة الأولى، ترجع على نفسها مرّات عديدة.

في سنة 1918 توصّلت العالمة الألمانيّة ” إيمي نيثر (Emmy Noether)” إلى واحدة من أعظم المبرهنات في تاريخ الفيزياء والرّياضيّات وهي: “إذا كانت قوانين الفيزياء لا تتغيّر تحت تناظر (تماثل) معيّن، فإنّ هناك كميّة فيزيائية تبقى محفوظة، تناظر الزّمن؛ يعني أنّ التّجارب تعطي نفس النّتائج اليوم وغدًا، ومن هنا يولد قانون حفظ الطّاقة، وتناظر المكان يعني أنّ القوانين لا تهتمّ أين نجري التّجربة، ومنه ينبثق قانون حفظ الزخم، أمّا تناظر الدّوران، فيقود مباشرة إلى حفظ الزّخم الزّاوي. المدهش أنّ قوانين الحفظ لم تعد “حقائق منفصلة” تُكتشف بالتّجربة فقط، بل أصبحت نتيجة حتميّة للبنية العميقة للقوانين نفسها. “إيمي نيثر” كشفت أنّ الطّبيعة لا تحفظ الطّاقة أو الزّخم لأنّها “تحبّ” الحفظ، بل لأنّها متناظرة في جوهرها. هذا أعظم دليل على أنّ الطّبيعة لم تأتِ من الصّدفة. فمن أوجد هذا التّماثل؟ طبعًا الخالق سبحانه وتعالى. هذه المبرهنة أصبحت العمود الفقريّ للفيزياء الحديثة، من الميكانيكا الكلاسيكيّة إلى النّسبيّة العامّة ونظريّة الحقول الكموميّة، حيث تُفهم الجسيمات والتّفاعلات على أنّها تجلّيات لتناظرات أعمق. ورغم أنّ “إيمي نيثر” لم تنل التّقدير الّذي تستحقّه في حياتها، فإنّ اسمها اليوم، يقف جنبًا إلى جنب مع أعظم العقول في تاريخ العلم، لأنّها أجابت عن سؤال بسيط بصيغة غيّرت نظرتنا للكون: لماذا توجد قوانين حفظ؟ والإجابة: لأنّ الكون متناظر”.

“قانون حفظ الروح” أو خلود الروح

إنّ حياة الإنسان لا تنتهي بموته، فإنّ روحه خالدة لا تموت، لأنّها من روح هذا الكون وقبس منه، وليس الموت سوى نقلة من صورة الى صورة أخرى، ومن حالة إلى حالة أخرى.

هذا الايمان، تؤكّده أقوال أجمعت الكتب السّماويّة وأيّدتها معظم آراء الفلاسفة، بأنّ الرّوح خالدة بإرادة الخالق، وستعود إلى هذا الخالق يومًا، كي تؤدّي حسابًا عمّا صنعت فتعاقب أو تثاب.

وقد وضع العالم النّمساويّ “جومفرتس גומפרץ” أربعة أسس لتكوين نظريّة الخلود:

1.      محاولات انفصال الرّوح عن الجسد في فترة الأحلام والغيبوبة.

2.      لو لم تكن الأرواح ترجع إلى الجسم، كان يجب علينا أن نفرض عددًا لا نهائيًّا للأرواح موجودة في البداية، أو أرواح تتزايد مع مرّ العصور.

3.      لأنّ عدد العناصر الماديّة الأولى ثابت، لذلك عدد وحدات الروح ثابتة أيضا.

4.      المادة لا تفنى وأبديّة، لذلك الرّوح أبديّة، وإذا فرضنا بقاءها بعد الموت، يجب علينا الفرض بأنّها كانت موجودة قبل الولادة.

أفكار علميّة-فلسفيّة كثيرة، أجمعت بالرّأي والأيمان، بتدرّج الرّوح وخلودها في كثير من شعوب العالم.

أوجه التّشابه بين الطّاقة والرّوح

بدائل الطاقة
بدائل الروح

1.      الطّاقة هي القوّة الفعّالة في الجسم (الأداة أو الآلة) الّذي يستمدّ قدرته منها لإنجاز عمل.

والرّوح هي مجمع القوى في جسم الإنسان وأساس الحياة والحركة. فبطلانها يفقد الإنسان القدرة على إنجاز عمل.

2.      الطّاقة ذات تركيب كونيّ مستترة في الجسم، لا يمكن ملاحظتها إلّا مِن خلال تحوّلاتها المتتالية.

وكذلك الرُوح، هي كيان مستتر في جسم الإنسان، لا يمكن ملاحظتها إلّا من خلال تقمّصها المتتالية من جسم إنسان إلى مولود جديد.

3.      الطّاقة تظهر بأشكال مختلفة، فهي تتبدّل من شكل إلى آخر ومن حالة إلى أخرى. وكذلك الرّوح فهي تتشكّل بأشكال مختلفة، تخلع ثيابًا وتتقمّص في إنسان آخر.

4.      المجموع الكليّ للطّاقة على أشكالها المختلفة قيمة ثابتة، كقول العالم الفرنسيّ “لافوازيه”: “لا شيء يفقد، لا شيء يحدث من لا شيء، الكلّ في تحوّل” وحسب عقيدة التّقمّص، عدد الأرواح لا ينقص ولا يزيد، فهي قيمة ثابتة.

5.      قانون “خلود الطاقة” أو “حفظ الطّاقة” الذي نصّه العالم “كلفن” يقول: “لا يمكن خلق الطّاقة من العدم، كما لا يمكن إفناءها”، فإذًا، الطّاقة لا تفنى، بل تتحوّل من شكل لأخر”.

وكذلك الرّوح، لا تفنى لأنّ حياة الإنسان لا تنتهي بموته، فروحه خالدة، لا تموت، بل تتقمّص من إنسان لآخر. وعليه، يمكن نصّ قانون “خلود الرّوح” على صيغة قانون “حفظ الطّاقة”، فنقول:

لا يمكن خلق الرّوح من العدم، كما لا يمكن إفناءها.

ملخص قواعد طاقة الروح

1.      طاقة الرّوح هي القوّة الكامنة في الجسد القادر على التّحرّك وإنجاز عمل.

2.      لا يمكن خلق الطّاقة الرّوحيّة كما ولا يمكن إفناءها.

3.      الطّاقة الرّوحيّة كيان مستتر في الجسم، لا يمكن ملاحظتها، إلّا من خلال تقمّصها المتتالية.

4.      الطّاقة الرّوحيّة هي المصدر الأساسيّ للطّاقات الفيزيولوجيّة لأعضاء الجسم.

5.      رصيد طاقات الرّوح (الوحدات الرّوحيّة) في الكون ثابت، لا ينقص ولا يزيد، لكنّه يتغيّر.

“قانون خلود الرّوح والطّاقة”

الخاتمة

ما أردت التّوصّل إليه في هذا المجهود، هو عرض للعلاقة الوثيقة بين موضوع “الرّوح” وموضوع “الطّاقة”، ولتفسير حقائق “خلود الروح”، وهي إحدى العقائد الدينيّة الدرزيّة الهامّة، على أساس علوم الطبيعة التجريبيّة.

لقد وجدت تشابهًا وتوافقًا كبيرًا، ما بين الاصطلاحيْن الأساسيْن والمركزيين: الرّوح في الإيمان، والطّاقة في العلم:

فحسب الإيمان: الرّوح لا تفنى، بل تتبدّل وتنتقل من إنسان لآخر.

وحسب العلم: الطّاقة لا تفنى، لكنّها تتبدّل وتتغيّر من شكل لآخر.

أرجو ان أكون بمحاولتي المتواضعة هذه، قد توصّلت إلى مرادي.


المراجع:

1.      ثلاثة أجزاء من كتاب: “مفصل الإنسان روح وجسد”, للدّكتور رؤوف عبيد، دار الفكر العربي-مصر

2.      بدائل الطّاقة، للدّكتور محمد دبس، معهد الإنماء العربيّ، لبنان.

3.      الطّاقة الإنسانيّة، للمحامي أحمد حسين، منشورات المكتبة العصريّة، لبنان.

4.      التّقمّص، الذّبياني، مطابع بيبلوس الحديثة، لبنان.

5.      تناسخ الأرواح، مصطفى الكيك، دار بور سعيد للطّباعة، مصر.

6.      האנציקלופדיה העברית. חב’ להוצאת אנציקלופדיה, ירושלים-תל-אביב.

7.      פרפסיכולוגיה, ד”ר חיים ברנט, הוצאת דפוס “חמד”, ירושלים.

8.      פיסיקה מכניקה, י, לבקוביץ, הוצאת “יסוד”, תל-אביב.

9.      ויקיפדיה האנציקלופדיה החופשית

10.    Wikipedia             

https://he.wikipedia.org › wiki › המרת אנרגיה

https://he.wikipedia.org › wiki › גלגול נשמות

https://ar.wikipedia.org › wiki › إيمي نوتر…

مقالات ذات صلة: