قراءة شاملة في التّداعيات الاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعّية وأثرها على الّطائفة الدّرزيّة

لا يمكن النّظر إلى الحرب الّتي اندلعت قبل عاميْن، بوصفها مجرّد تصعيد أمني أو جولة قتاليّة أخرى ضمن سلسلة المواجهات والحروب الّتي عرفتها المنطقة. لقد شكّلت هذه الحرب، بطول مدّتها واتّساع نطاقها وتعدُّد جبهاتها، نقطة تحوّل سياسيّة اقتصاديّة عميقة، أحدثت صدمة اقتصاديّة لم تقتصر على إسرائيل، بل انعكست على الاقتصاد العالميّ أيضًا، وتسبّبت في إعادة تشكيل الخطاب العام وترتيب أولويّات الدّولة ودفعت بمجتمع بأكمله إلى حالة من التّرقب، خصوصًا وأن الاقتصاد الإسرائيليّ يعيش في هذه الحقبة الزّمنيّة واحدة من أشدّ أزماته منذ قيام الدّولة.
لم تكن الآثار الاقتصاديّة للحرب أقلّ حدّة من تبعاتها الاجتماعيّة أو العسكريّة. فمع كلّ صاروخ تمّ اطلاقه أو سقط وكلّ يوم من القتال، كانت الميزانيّة العامّة تتآكل، والناّتج المحليّ يتراجع. ومع مضيّ عاميْن، أصبح من الممكن قراءة هذه المرحلة قراءة شاملة تربط بين السّياسات الاقتصاديّة الطّارئة، وتداعياتها الاجتماعيّة، والتّحديّات الأمنيّة، مع تسليط الضّوء على التّأثيرات الخاصّة على الطّائفة الدّرزيّة في البلاد الّتي تشكّل مكوّنًا أساسيًّا في النّسيج الاجتماعيّ الإسرائيليّ، ودفعت ثمنًا باهظًا خلال الحرب.
أولاً: التّداعيات على المستوى العالميّ
أسعار الطّاقة: مع تصاعد التّوتّرات في المنطقة سرعان ما انعكست هذه التّوتّرات على السّاحة الدّوليّة أيضًا، حيث ارتفعت أسعار النّفط والغاز عالميًّا بنسبة 12–18% بسبب المخاطر الإقليميّة، ما غذّى موجة التّضخّم العالميّ وفاقم الأزمة الاقتصاديّة العالميّة المتأثّرة أصلًا بالحرب في أوكرانيا والتّوتّرات الأخرى.
التّجارة الدّوليّة: الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة في إسرائيل تراجعت بأكثر من 30%، مع انتقال بعض شركات التّكنولوجيا إلى دول بديلة مثل قبرص واليونان، وذلك بعد أن أحدثت الحرب تصدّعًا في صورة إسرائيل كمركز آمن للاستثمار.
التّصنيف الائتماني: وكالات التّصنيف الدّوليّة الكبرى خفّضت تصنيف إسرائيل بدرجتيْن، ما رفع تكلفة الاقتراض الحكوميّ بما يقارب 2 مليار دولار سنويًّا، وأضعف القدرة على تمويل الخطط التّنمويّة طويلة الأمد.
ثانيًا: التّداعيات على الاقتصاد الإسرائيلّي
1. النّمو الاقتصاديّ
شهد الاقتصاد الإسرائيليّ خلال العام الأوّل من الحرب انكماشًا بنسبة 2.5% نتيجة توقّف قطاعات حيويّة مثل السّياحة، البناء، والصّادرات التّكنولوجيّة. وفي العام الثّاني، ورغم جهود الدّولة لضخّ أموال وتحفيز السّوق، لم ينجح الاقتصاد في استعادة عافيته وسجّل نموًّا طفيفًا لم يتجاوز 0.5% وهو أدنى من معدل النّموّ الطّبيعيّ في سنوات الأزمات، هذا التّباطؤ يعكس ليس فقط آثار الحرب، بل أيضًا محدوديّة فعّاليّة أدوات الحكومة الاقتصاديّة في ظلّ غياب أفق سياسّي واضح واستمرار التّهديدات الأمنيّة.
2. الميزانيّة والعجز
تجاوزت كلفة الحرب 70 مليار دولار خلال عاميْن، بما يشمل النّفقات العسكريّة المباشرة، إعادة الإعمار، تعويض المتضرّرين، ونفقات الطّوارئ. وقد أسفر ذلك عن ارتفاع العجز الماليّ إلى نحو 9% من النّاتج المحليّ، (مقارنة بـ 3.5% قبل الحرب). كما قفز الدّين العام من 62% إلى نحو 83% من الناّتج المحليّ، وهو مستوى يثير القلق لدى المؤسّسات الماليّة الدّوليّة ويضع إسرائيل في خانة الدّول ذات المخاطر الائتمانيّة المتزايدة.
3. التّضخّم والاستهلاك
اشتعال فتيل الحرب في المنطقة أدّى الى ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة بنسبة 12%، وأسعار الطّاقة بنسبة 20%، ممّا دفع التّضخّم إلى مستويات بلغت 6–7% سنويًّا. وأمام هذا الواقع، اضطرّت الأسر الإسرائيليّة إلى تقليص إنفاقها على الكماليّات بنحو 15%، ورفع الادّخار الاحترازيّ، بينما تراجعت الثّقة الاستهلاكيّة، وتكبّد قطاع السّياحة خسائر تقدَّر بـ 5 مليارات دولار سنويًّا.
4. سوق العمل
ارتفعت البطالة من 4% قبل الحرب إلى نحو 8%، أي ضعف النّسبة الّتي كانت قائمة قبل الحرب. وقد عانت قطاعات الصّناعة، الزّراعة، السّياحة والبناء بشكل خاصّ، مع تعطّل عشرات آلاف العمال، وانخفاض الطّلب المحلّي. أمّا قطاع التّكنولوجيا، الّذي يُعدّ محرّك النّموّ الأساسيّ، فقد شهد نزوحًا تدريجيًّا للشّركات نحو دول ذات استقرار أكبر.
ثالثًا: التّداعيات على الطّائفة الدّرزيّة
1. الجانب الاقتصاديّ–الاجتماعيّ
لقد رُصد للطّائفة الدّرزيّة ضمن الخطّة الخماسيّة نحو 3.9 مليار شيكل، ورغم تخصيص الحكومة لهذا المبلغ لتطوير البلدات الدّرزيّة، لم يُنفّذ منها سوى أقلّ من 40%، نتيجة للأزمة الاقتصاديّة والبيروقراطيّة المُزمنة. وتمّ تعليق أو تأجيل مشاريع في مجالات الإسكان، البنية التّحتيّة، التّعليم والمناطق الصّناعيّة، مما أبقى الفجوات على حالها.
بالتّزامن مع ذلك، ارتفعت معدّلات البطالة في صفوف الشّباب الدّروز إلى 10%، متجاوزة بذلك المعدل العام، مع غياب السّياسات الفاعلة لدمج الشّباب في الاقتصاد الرّقميّ أو سوق العمل الحديث.
2. الجانب الرّمزيّ–السّياسيّ
لطالما شكّلت الطّائفة الدّرزيّة نموذجًا فريدًا في علاقتها مع دولة إسرائيل، شراكة أمنيّة عميقة، التزام بالخدمة العسكريّة ومشاركة فعّالة في أجهزة الدّولة. هذه العلاقة المتجذِّرة تاريخيًّا، لم تمنع من وجود فجوات واضحة في السّياسات الحكوميّة تجاه الطّائفة، وهو ما برز خلال الحرب الأخيرة، فقد استُشهد 15 جنديًّا درزيًّا في ساحات القتال، وهو رقم كبير نسبيًّا، يعكس حجم مشاركة الطّائفة في الدّفاع عن الدّولة. لكن هذه التّضحيات لم تُقابَل بخطوات ملموسة من الدّولة تعكس التّقدير أو الرّغبة في تصحيح التّمييز القائم في توزيع الموارد والخدمات. إنّ تأجيل المشاريع بحجّة الأزمة الماليّة أثار حالة من الإحباط، وزاد من حدّة المطالبات بتحقيق العدالة والاعتراف العمليّ بمساهمات الطّائفة.
دعم العائلات الثكلى في ظلّ الحرب
إلى جانب الأبعاد الاقتصاديّة، وبعيدًا عن الأرقام والمؤشّرات، تبقى العائلات الثّكلى في قلب المشهد الإنسانّي. فهذه العائلات دفعت الثّمن الأغلى بفقدان أعزائها، وهي اليوم تواجه تحدّيات مضاعفة في ظلّ الحرب المستمرّة.
انطلاقًا من هذا الواقع، تواصل مؤسّسة بيت الشّهيد الدّرزيّ تطوير برامج دعم ومرافقة خاصّة تشمل:
- دعم اقتصاديّ مباشر
- مساندة نفسيّة واجتماعيّة للأبناء والأهالي.
- دعم اقتصاديّ مباشر للتّخفيف من أعباء المعيشة المتزايدة.
- أنشطة ثقافيّة وتربويّة تُعزّز قيم الانتماء والصُّمود، وتربط الأجيال الجديدة بتاريخ الطّائفة وتضحياتها.
إنّ هذه المبادرات لا ولن تُعيد الغائبين، لكنّها تمنح العائلات شعورًا بالاحتواء والاعتراف، وتُجسّد التزام الطّائفة الدّائم بالوفاء لشهدائها والوقوف إلى جانب عائلاتهم في أصعب الأوقات وتعكس قوّة التّضامن المجتمعيّ.
ختاما
ممّا لا شكّ فيه فإنّ الحرب الّتي استمرّت عاميْن لم تكن مجرّد مواجهة عسكريّة، بل أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة شاملة كشفت عن نقاط ضعف جوهريّة في الاقتصاد الإسرائيليّ وتسبّبت محليًّا بركود اقتصاديّ، ارتفاع التّضخّم وتراجع الاستهلاك. أمّا على الصعيد العالميّ، فقد ساهمت في رفع أسعار الطّاقة وإضعاف ثقة المستثمرين. وفيما يخصّ الطّائفة الدّرزيّة، فقد كشفت الحرب عن فجوة واضحة بين التّضحيات الكبيرة الّتي قُدّمت وبين الإنجازات الملموسة على الأرض وهذا يتطلّب اعتراف مؤسّساتي كامل بكلّ معنى الكلمة، وليس فقط جماهيريّ، بأنّ الطّائفة الدّرزيّة ليست مجرّد شريك في الدّفاع والحرب، بل شريك كامل في المواطنة. إن تنفيذ الخطّة الخماسيّة، واستكمال المشاريع المتعثّرة، وضمان المساواة في الفرص والخدمات، يجب أن تكون أولويّات لا تقبل التّأجيل، ليس من باب الامتنان، بل من واجب الدّولة تجاه مواطنيها وباب العدالة والاستحقاق الوطنيّ، وسيبقى نجاح إسرائيل في هذه المرحلة مرهونًا بقدرتها على الانتقال من “اقتصاد الحرب” إلى “اقتصاد التّعافي”، وبمدى التزامها بتنفيذ الخطّة الخماسيّة للطّائفة الدّرزيّة كاختبار لمصداقيّة الدّولة وشراكتها مع أبناء الطّائفة الّذين أثبتوا انتماءهم وولاءهم في أصعب الظّروف