الموقع قيد التحديث!

الأمير السيّد (ق) والعمامة الخضراء وأرض الزّابود في بيت جن

بقلم بقلم : الشّيخ المؤرِّخ مكرم المصري – قرية صليما – لبنان
إختارها ونقلها: الأستاذ مالك صلالحة – بيت جن

قيل شرّ البليّة ما يضحك، والأنكى من ذلك أن تقابل إنسان يدّعي المعرفة وهو عنها مسافة سنة ضوئيّة، وعندما تسأله إن كان هناك مصدر موثوق لكلامه أو مرجعيّة فوراً يتهرَّب ويدّعي أنّه سمع من فلان أو عن لسان فلان، ومثل هؤلاء هم عالة على الثّقافة والعلم والمعرفة.

قال سيّدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «لا تجادل الجاهل كي لا يغلبك في جهله. كذلك قيل:‏ لا تجادلْ أحدًا لأن الجاهل لن يفهم، والعنيد لن يقنع، والمتحيّز لن يسمع. من هنا قرّرت أن أكتب ما قرأت ووقع عليه ناظري لألقي الضّوء على حقيقة كثير جدًّا لا يعرفها والبعض يحاول التّشكيك بصدقها لغرض في نفس يعقوب، لا لشيء سوى ليظهر مظهر العارف وهو بعيد عن المعرفة مسافة سنة ضوئيّة.

من هنا أردت أن أضع أشياء موثّقة عن سيرة الأمير السّيّد عبد الله التّنوخيّ قدّس الله سرّه،

مستندًا إلى مرجعيّة أمينة وباحث ومؤرِّخ ومطّلع، له مكانته في الأوساط الدّينيّة والاجتماعيّة والعلميّة، مطّلع ورجل دين من المثقّفين والمتنوّرين، ألا وهو الشّيخ الباحث، والمؤرِّخ والأديب مكرم المصري من بلدة صليما في لبنان، وصاليما هي إحدى القرى اللّبنانيّة من قرى قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان. برزت قرية صليما باستقلاليتّها وأهمّيّتها كقرية مميزّة في متصرّفيّة جبل لبنان توازي بلاد البترون أو بلاد كسروان وجبّة المنيطرة أو حتّى زحلة ودير القمر (موقع الجيش اللّبنانيّ)

والشّيخ مكرم هو مدير موقع سطور فِي التّاريخ فِي سيرة حياة المؤلِّفين الموحِّدين، له مقالات وتحقيقات اجتماعيّة، أدبيّة، تاريخيّة، اقتصاديّة وغيرها الكثير.  حيث كتب في مقالة له في تاريخ 29/4/2023 يقول فيها: “لا أريد التّهجّم على أحد ولا أن انتقد أو أجرّح ببعض أساتذة التّاريخ، ولكن هناك أمور ثابتة في التاّريخ لا يمكنني السّكوت عليها. وخاصّة الإشاعات التّاريخيّة الّتي تطال رمزًا من رموز التّوحيد في الجزيرة والمرجع الأرفع في العقيدة” (الأمير السّيّد قدّس الله سرّه).

يردّ فيه على من يحاول تزييف الحقيقة التّاريخيّة ويدّعي أن الشّيخ عبد الخالق عبدالله التّنوخي، نجل الأمير السّيّد قد تُوفي في مرض وليس برفسة حصان يوم عرسه، وأنّ الأمير السّيّد لم يرتدِ العمامة الخضراء، فيتابع ويقول:” ولأنّ التّاريخ لا يُكتب إلّا بالعودة للأصول الثاّبتة والمصادر المباشرة، عدت بهذه الدّراسة إلى عدد من المصادر والمراجع الأساسيّة منها للشّيخ حمزة بن سباط تلميذ الأمير السّيّد (ق) وليوسف إبراهيم يزبك في كتابه (وليّ من لبنان) وهو سيرة العارف بالله السّيّد جمال الدّين عبدالله التّنوخيّ قدّس الله سرّه، والشّيخ أبو صالح فرحان العريضي في كتابه (مناقب الأعيان – الجزء الأوّل ص 32-39 سيرة سيف الدّين عبد الخالق بن عبدالله التّنوخيّ”.

“تُوفي والد الأمير السّيّد علم الدّين سليمان بن بدر الدّين بن صلاح الدّين، عندما كانت زوجته في مقتبل العمر، فربت أولادها تربية حسنة واشتهر منهم بالذّكاء والتّديّن الأمير عبد الله، لقب بجمال الدّين ولقب في دمشق بالسّيّد ولُبِّس العمامة الخضراء،

حيث بلغت بلدته عبيه في زمنه ذروة مجدها وعزّها، وسطع نجمها بالإمامة التّوحيديّة الّتي دامت لأكثر من ثلاث أرباع القرن، يرعاها صاحبها وإمامها جمال الدّين عبد الله التنوخي”.

لقد كانت القيادة والمشيخة الرّوحيّة برئاسة الشّيخ أبو مرعي زهر الديّن، وقد قصده الأمير السّيّد قبل بلوغ سنّ الرُّشد طالبًا الاتّصال بمذهب التّوحيد، لكنّ الشّيخ زهر رفض طلبه بحجّة صغر سنّه قائلًا له إنّه يلزمه  بعض الوقت، لكنّ المشايخ المتواجدين آنذاك تلمّسوا فيه سمات الصّالحين، وطلبوا من الشّيخ زهر أن يوافق على ضمّه لصفوف رجال الدّين، وطلب منه التردّد على طلب الانضمام 40 مرّة  وكان قصد الشّيخ كلّ ليلة جمعة، لكنّ الأمير السّيّد أنجز الامتحان في اقلّ من شهر، فذهب الأمير السّيّد وطلب صفو خاطر المشايخ وطلب منهم أن يسمعوا منه ما حفظه،  فطلب شيخ العقل أبو مرعي زهر الدّين من ولده ان يختلي به ويسمع منه ما حفظه، فدُهش الولد من سرعة استيعابه ومن ذكائه، ثم نادى والده وطلب منه أن يكمّل الاستماع للأمير السّيّد لأن ما حفظه قد سمعه منه، وهكذا تابع الأمير يتلو ما حفظه على مسامع شيخ العقل أبو مرعي زهر الدّين، حتّى أكمل تلاوة المعلوم الشّريف ( القرآن)  الّذي كان قد حفظه في أقلّ من شهر.

“ويقال إنّ الشّيخ زهر الدّين بعد أن رأى فيه ما يوافق الإمامة، ألبَسه العمامة وقال له : هذه تليق بك وانت أحق ّبها منّي، ودعا أمراء إمارة الغرب وأكابرها وأهالي المتن والشّوف والجرد وغيرهم إلى اجتماع عامّ، يُعقد في عبيه وفي هذا الاجتماع وبعد حضور الجميع وقف الشّيخ زهر الدّين ريدان وفاجأ الحاضرين بتنازله عن رئاسة المرجعيّة الرّوحيّة لطائفة الموحِّدين، إلى الأمير السّيّد عبد الله التنّوخيّ لحسن تديّنه  وصدقه وزهده بالدّنيا وحُسن مسلكه التّوحيديّ وورعه وحبه لله تعالى، كذلك ألبسه عباءة المشيخة وعمّم رأسه بعمامة مُكلوسة، وكان ذلك اليوم تاريخيًّا في تاريخ الرئّاسة الرّوحيّة للطّائفة”.

إنّ قصّة إلباس العمامة الخضراء جاءت عندما كان الأمير في المسجد الأمويّ في دمشق، حين تحدّاه أحد مشايخ السُّنّة مشكّكًا في إسلامه وإسلام الموحّدين الدّروز، وأراد ان يمتحن إسلامه وأخذ يكثر من الأسئلة لكي يحرجه ليتأكّد من إسلامه، وطلب منه أن يصلّي عليه صلاة الميّت، ولكنّ الأمير رفض ذلك بحجّة أنّه لا يصلّي على إنسان حيّ، فلمّا أصرّ وافق  الأمير”  شرط أن يصلّي عليه بوجود شهود وهم: ممثّل عن شيخ الازهر ومفتي دمشق للطّائفة السُّنّيّة وللطّائفة الشّيعيّة العلويّة وشيخ الإسلام، واشترط الأمير أن يبدأ هو في الصّلاة ثم ّيصلّيه الأمير بعد ذلك، وكان له ذلك فصلّاه الإمام المسلم وبقي حيًّا، ثمّ جاء دور الأمير فتقدّ م وصلّاه وأثناء الصّلاة حصل تشقّق في قبة الجامع وما ان انهى صلاته حتّى لفظ الشّيخ المسلم أنفاسه الأخيرة، فما كان من شيخ الإسلام وشيخ عشيرة عائلة الحمزاويّ الدّمشقيّة وهي عائلة منسوبة لأهل البيت وعائلة ذات مكانة دينيّة في دمشق، إلّا أن البسوا العمامة الخضراء على رأس الأمير (ق) تقديرًا لمرتبته الديّنيّة”.

بقي أن نورد الحقيقة لنقطع الشّكّ باليقين عن مرور الأمير السّيّد في جبل الجرمق وفي أراضي بيت جن في منطقة الزّابود.

لقد شرح وشرّع الأمير السّيّد قوانين الأحوال الشّخصيّة حسب تعاليم المذهب التّوحيديّ، وشرح ما نصّته الحكمة عن مساواة المرأة بالرّجل في جميع مرافق الحياة، وشدّد على منع تعدّد الزّوجات استنادًا لما جاء في المعلوم الشّريف في سورة النّساء 129 (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم)، وقد انصاع الجميع لهذا الامر سوى رجلاً من المغار كان متزوجًا من امرأتيْن وكان يحبّهما جدًّا، وصرّح بأنّه لن يطلّق إحداهنّ حتّى لو تدخّل الأمير السّيّد بنفسه، فتهادى الخبر الى مسامع الأمير السّيّد ” فقرّر أن يقوم بنفسه بزيارة قرية المغار، وشاءت الأقدار ـن يمرّ بطريق جبل الجرمق مارًّا بمنطقة الزّابود الشّامخ وبالقرب من بركة الزّابود، وبحسب الرّواية كان قد استراح بظلّ شجرة سنديان عامرة وافرة الظّلّ والظّلال، منتصبة شامخة شموخ من جلس مع رفاقه تحت أغصانها.

بعد أن بارك هذه الشّجرة وتلك الأرض، أكمل طريقه إلى منطقة رأس العقبة ومنها نزل إلى كعب العقبة، مارًّا بأرض عين الأسد (التّابعة لبيت جن)  الّتي لم تكن قائمة في تلك الفترة الزّمنيّة… وحين وصل الى مشارف قرية المغار وسمع بقدومه ذلك الرّجل الّذي رفض الانصياع والانقياد لتشريعه وتعاليمه، فعرد بعد أن طلّق إحدى زوجاته، ومنذ ذلك الحين يُعرف اتباعه بآل عرايدة، من كلمة عرد الّتي تعني ترك بسرعة، قبل أن يصل الأمير السّيّد جمال الدّين عبدالله التّنوخي، الّذي علّمنا القيم الإنسانيّة والاخلاقيّات والقوانين الّتي استمرّت لأكثر من خمس مئة عام، بمعنى أن الأمير السّيّد كان أوّل من أسّس ألدّيموقراطيّة الحقيقيّة المبنيّة على احترام وقبول الاخر ومساواة الذّكر بالأنثى، والفقير بالغني والقوي بالضّعيف”

هذا فيض من غيض من سيرة هذا الوليّ والعلم التّقيّ الّذي سبق الأمم المتحضّرة اليوم بتشريعاته ولحفظه لحقوق وكرامة ومكانة المرأة وجعلها سيّدة وربّة بيت لها مكانتها واحترامها، وأعطاها الحقّ بالطّلاق تمامًا كالرّجل حين تشعر أنّ زوجها يحاول الحطّ من كرامتها ولا يحسن معاملتها واحترامها كنفسه. فكم نودّ أن نأخذ منهجه عِبرة ومسلكًا نسير على هديه كي ينهض المجتمع ويتقدّم في ركب الحضارة الّتي كنّا السّبّاقين لوضع أسسها منذ زمن مولانا الخليفة الفاطميّ الحاكم بأمر الله، ولمن يريد الاستزادة والوقوف على صدق ما أقول فليعد إلى كتاب (الخليفة الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه) للدّكتور عبد المنعم ماجد، وكتاب (الحاكم بأمر الله خليفة وإمام ومصلح) للمؤلِّف د. عارف تامر.

مقالات ذات صلة:

خبر النّبيّ صالح (ع)

أرسل الله، سبحانه وتعالى، النّبيّ صالحًا إلى ثمّود قبيلة عربيّة من العرب البائدة، عاشت في أرض عاد الّتي أهلكها الله

ألف سنة وألف بطولة

إن طائفة صمدت ألف سنة، أمام حروب وأعداء وأعاصير ومحن، كالتي مرّت بها الطائفة الدرزية، لا بدّ أنها جُبلت من