كان الشّيخ أبو علي مهنّا بدر من المشايخ البارزين في خلوات البيّاضة الشّريفة، وواحدًا من أعضاء لجنة إدارة شؤون البيّاضة. وكان مشهورًا في إرشاده للنّاس وتعليمه للدّين والتّقوى، وبرز بين إخوانه في مواظبته على درس العلوم الدّينيّة، فكان يقضي جُلّ لياليه يتعبّد في خلوات البيّاضة الشّريفة، وربطته علاقات أُخوّة مع الشّيخ أبي حسين محمود فرج، في الشّوف، ومع بقيّة المشايخ الأجلّاء.
هناك قصّة عن آل بدر وخلافهم مع آل البدويّ على نفوذ المراتب في خلوات البيّاضة. عائلة البدويّ هي عائلة كبيرة جدًّا، وعائلة بدر هي عائلة صغيرة أصلها من حرفيش. وكان الشّيخ أبو فندي جمال الدّين شجاع، وهو من عائلة كبيرة أيضًا، يحترم آل بدر ويحبّهم بسبب منزلتهم الدّينيّة. ولمّا وقع شجار كبير بين آل بدر وآل بدويّ توجّه الشّيخ أبو فندي جمال الدّين شجاع، في ثمانينيّات القرن الماضي، عند اجتياح الجيش الإسرائيليّ؛ إلى السّيّد أسعد أسعد، من قرية بيت جنّ في الجليل الأعلى، الّذي كان في رُتبة كولونيل في الجيش الإسرائيليّ في أثناء خدمته في لُبنان، وطلب منه أن يتدخّل بالصُّلح بين آل بدر وآل بدويّ. توجّه السّيّد أسعد أسعد إلى الشّيخ أبي عليّ مهنّا بدر وفاتحه في مسألة الصُّلح، فلمّا أظهر الشّيخ النّيّة السّليمة لذلك الصُّلح توجّه السّيّد أسعد أسعد إلى قرية جولس وطلب دعم فضيلة الشّيخ أمين طريف وتدخّله وسعيه من أجل إحلال الصُّلح. وحين سمع الشّيخ أمين طريف الحديث توجّه إلى ابن أخيه، كامل طريف، سائلًا عن رأيه في موضوع الصُّلح، فأجابه الشّيخ كامل طريف بالسَّلب، وقال له إنّ هذه مؤامرة. فكّر شيخ الجزيرة وقال لابن أخيه: “لم تُصِب هذه المرّة يا شيخ كامل، هاتِ ورقةً وقلمًا”، وكتب رسالةً هذا نصّها:
“بسم الله الرّحمن الرّحيم
عليه توكّلت وبه أستعين
حضرات إخواننا الأجلّاء الكرام أهل التّقوى والدّيانة أصحاب النّسب الأصيل والعنصر الجليل، إخواننا الأعزّاء الشّيخ أبو عليّ مهنّا بدر، والشّيخ أبو عليّ أحمد بدر وعموم إخواننا الكرام عائلة بدر المحترمين.
بعد سلامي وأشواقي وطلبي دعاكم ورضاكم، عساكم وأهل بيتكم بخير وإنعام من فضل الملِك العلّام وصفيّه صلّى الله عليه وسلّم، الهادي الخلق إلى توحيد البارّ العلّام، وإنّي أذكّركم بنسبكم العريق القديم المرحوم الشّيخ عليّ بدر من قرية حرفيش الّذي رافق سيّدنا وسيّد الطّائفة الشّيخ عليّ فارس للبيّاضة ومن هذاك التّاريخ نعدّ أنّ بيننا وبينكم نسب أهليّة وحبّيّة وصداقة قلبيّة، نفتخر ونعتزّ ونتبارك بهذه المناسبة العينيّة بالتّقرّب لعائلتكم الأصيلة الّذين برز منها شيوخ وسادات من أهل التّقوى والدّين والأخلاق العليّة السّميّة. فلنذكر ونعرّف حضراتكم أنّه شرّف لعندنا الشّيخ أبو كمال أسعد من بيت جنّ، صاحب الأخلاق السّامية والأعمال الطّيّبة العالية، الّذي يحقّ للطّائفة أن تفتخر وتعتزّ بمهنته ووظيفته، فكُلّف من قِبل سعادة قائد أركان الجيش في إسرائيل ليتدخّل في الصُّلح في حاصبيّا، ومعه مشايخ مكلَّفين من العائلات العريقة في الدّين والدّنيا، الجميع شرّفونا من قِبل شيخنا ورئيسنا وسيّدنا الشّيخ أبو فندي جمال الدّين شجاع من حاصبيّا، المشهور للعموم بالفضل والفضيلة في الدّين والدّنيا، أعزَّه الله، لذلك بناءً على طلب شيخنا أبو فندي طلبوا منّا كتابًا للتّوسّط مع حضراتكم من حيث الأهليّة النّسَبيّة الّتي تربطنا مع حضراتكم من القديم، لذلك لا يسعنا إلّا الامتثال لأمر شيخنا الشّيخ أبو فندي جمال الدّين، وتقديرًا لحضرة ممثّل قائد الأركان، وتكريمًا للمشايخ الّذين شرّفونا، النّزول عند رغبتهم وإجابة طلبهم، لأنّه قال: “مَن قصَدك وجَب حقّه عليك” فعليه نوجّه على حضراتكم سيّدنا الإمام وإخوته الأركان والعدّة السّعيدة بالتّمام أن تلبّوا طلب شيخنا ورئيسنا ورئيس الطّائفة الشّيخ أبو فندي جمال الدّين شجاع، فيكون لحضراتكم من الله جزيل الثّواب والأجر الجزيل، والشّكر من الله ومن عباده والثّناء الجميل، وهذا مع كرم أخلاقكم وجودة أصلكم كفاية. ونبعث سلامنا بالنّيابة عن مَن يخصّكم وعموم إخوان الدّين لحضراتكم ولمن يخصّكم من الأهل والإخوان عندكم وبصورة خاصّة نوجّه سلامنا وأشواقنا لشيخنا الشّيخ أبو فندي ومن يلوذ به من المحبّين، ودمتم محترمين.
مستمدّ دعاكم الحقير لله
أمين طريف – جولس 6/6/1985″
بعد أن حصل السّيّد أسعد أسعد، من القيادة العُليا للجيش الإسرائيليّ، على تصاريح لمائة شخص كي يذهبوا إلى حاصبيّا لإتمام الصُّلح، ولمّا علمت مشايخ القُرى الدّرزيّة في إسرائيل بذلك رغبوا في الذّهاب إلى حاصبيّا بمعيّة شيخ الجزيرة، وازداد عدد الرّاغبين في الذّهاب حتّى وصل إلى 1,000 شخص. واستطاع السّيّد أسعد أسعد، بحنكته ومركزه ومكانته العسكريّة في أواسط القيادة العُليا، أن يحصل على تصاريح دخول للرّاغبين جميعًا من دون استثناء. وحين وصلوا إلى حاصبيّا، بقيادة فضيلة الشّيخ المرحوم أمين طريف، بدأت الزّغاريد تصدح من نساء حاصبيّا ورشّ الورد والأرزّ. ولمّا عُقدت راية الصُّلح وبات مشايخ إسرائيل ليلتهم في حاصبيّا، عادوا في اليوم التّالي إلى ديارهم، بعد أن أفرغوا متاجر قرية حاصبيّا من القماش والأمتعة، وسمح لهم السّيّد أسعد أسعد بالعبور من دون تفتيش، فله الشّكر الجزيل على هذا العمل التّاريخيّ. ورحم الله من كانت له يد في إجراء صلح وتقريب قلوب الإخوان سواء كانوا أمواتًا أم أحياء.