الموقع قيد التحديث!

 إخوان الصّفا: حين تلاقت الفلسفة بالدّين والعِلم

بقلم فاروق غانم خدّاج
كاتب وباحث من لبنان – faroukkhaddaj5@gmail.com

في النّصف الثّاني من القرن العاشر، وفي أجواء من السّرّيّة والغموض، اجتمع في مدينة البصرة رجال أطلقوا على أنفسهم اسم إخوان الصّفا. هدفهم لم يكن بسيطًا: أرادوا أن يصوغوا موسوعة جامعة تجمع شتات الحكمة، من الدّيانات السّماويّة، والفلسفات القديمة، والعلوم الطّبيعيّة، والريّاضيّة. فخرجوا إلينا بخمسين رسالة ونيّف، منها عشر رسائل خُصّصت للمنطق، وأخرى تناولت علومًا مختلفة من الريّاضيّات والطّبيعة إلى الفلك والنّفس.

ما يميّز هذا المشروع هو روح الانفتاح الّتي حملها أصحابه. فقد أعلن إخوان الصفا صراحة أنّهم يسعون إلى ضمّ تعاليم يسوع المسيح والنّبي محمد ﷺ مع الفلسفات اليونانيّة والهنديّة واليهوديّة والفارسيّة. لقد أرادوا إقامة جسر بين الشّرق والغرب، بين الدّين والعقل، وبين الترّاث والحداثة الممكنة في عصرهم. وفي هذا الجسر وضعوا الفلسفة كمعرفة عليا فوق الدّين، وجعلوا من رسائلهم إطارًا متكاملًا للتّفكير والبحث.

نظرية المعرفة عند إخوان الصفا

ترى الرّسائل أنّ المعرفة ليست مجرّد حصيلة معلومات، بل حالة تعانق بين النّفس وما تدركه. وهي تنقسم إلى ثلاثة مسالك:

1. ما تدركه النّفس بالإحساس من العالم المادي.

2. ما تستنتجه بالمنطق من المعاني العليا.

3. ما تعرفه عن ذاتها بالبداهة المباشرة.

وهذا الأخير، أيّ معرفة الذّات، هو عندهم أسمى أشكال المعرفة وأصدقها. لكنّهم حذّروا من تجاوز حدود العقل الإنساني إلى التّساؤلات الّتي لا سبيل لحلّها، كأصل العالَم وأزليّته. فالمعرفة الحقّة عندهم لا تُنال إلّا بالتّجرّد والعيش العادل.

الفلسفة والعلوم

أراد إخوان الصفا أن يكون الدّخول إلى الفلسفة مشروطًا بمرحلة تمهيديّة تبدأ بالرّياضيّات، لأنّ الرّياضيّات ترتقي بالنّفس من المحسوس إلى المعقول. وقد حملوا في هذا الميدان إيمانًا فيثاغوريًّا وهنديًّا بقدسيّة الأعداد. فالواحد عندهم هو المبدأ المطلق لكلّ وجود، والأعداد صورة من صور الحكمة الإلهيّة.

ومن الرّياضيّات انتقلوا إلى الفلك، حيث رأوا في النّجوم قوّة فاعلة في حياة البشر. فالسّعادة ترتبط بالشّمس والمشتري والزّهرة، في حين أن الشّقاء يأتي مع القمر وزحل والمرّيخ. هذا التّصوّر، وإن كان يختلط فيه العلم بالإيمان، يعكس ذهنيّة عصرٍ لم يكن يفصل بعد بين الفيزياء والميتافيزياء.

النّفس والطّفولة والمعرفة

شبّه إخوان الصّفا نفس الطّفل بالصّفحة البيضاء، الّتي تكتسب معارفها من الحواس الخمس، قبل أن تُشرق عليها الحكمة الخاصّة بالإنسان. فالعقل، عندهم، هو الحكم والإرادة والكلام. والكلمة في نظرهم ليست مجرّد أداة للتّعبير، بل هي جسم الفكرة وروحها، فلا يمكن للفكر أن يوجد بمعزل عن اللّغة.

المنطق كوسيط

أمّا في مجال المنطق، فقد جعلوه وسيطًا بين الطّبيعة وما وراءها. فالمنطق، مثل الرّياضيّات، يرفع النّفس من المحسوس إلى الرّوحانيّ، لكنّه أقلّ شأنًا من الرّياضيّات لأنّه يقتصر على الصّور الذّهنيّة. وقد استلهموا في بناء منطقهم مقولات أرسطو وحدود بورفيريوس، وأضافوا إليها حدًّا جديدًا هو “الفرديّ”. فصار عندهم ستة حدود: الجنس، النّوع، الفرديّ، التّمييز العينيّ، الخاصّ، والعرضي.

كما ميّزوا بين طرق ثلاث للبحث: التّحليل، والتّعريف، والاستنباط. فالتّحليل يكشف عن معرفة الفرديّ، في حين يوضّح التّعريف ماهيّة الأنواع، ويُظهر الاستنباط خصائص الأجناس. وهذا النّظام، على بساطته، يعبّر عن محاولة مبكِّرة لبناء جهاز منطقيّ متكامل يزاوج بين العقل والتّجربة.

إرث خالد

إذا كان المنطق عند أرسطو علمًا صارمًا للقياس، فإن إخوان الصّفا حاولوا أن يجعلوه جسرًا بين علوم الأرض وعلوم السّماء. لقد أرادوا أن تكون الفلسفة سبيلًا إلى النّجاة الرّوحيّة، وأن يصبح العلم طريقًا للسّمو ّالأخلاقيّ. وهم بذلك سبقوا غيرهم إلى القول بأنّ المعرفة لا تنفصل عن الترّبيّة، وأنّ العلم لا يكتمل إلّا إذا أفضى إلى حياة عادلة.

لقد خلّف هؤلاء الرّجال أثرًا لا يُستهان به في الفكر العربيّ والإسلاميّ. ورغم ما أحاط بهم من غموض، بقيت رسائلهم شاهدًا على نزعة إنسانيّة نادرة، نزعةٍ لا ترى تعارضًا بين الدّين والفلسفة، ولا بين الشّرق والغرب، بل تسعى إلى تأليف جامع، فيه من المسيحيّة والإسلام واليهوديّة كما فيه من أفلاطون وأرسطو وبورفيريوس. ولعلّ أجمل ما نستحضره اليوم من تراثهم هو هذه الرّسالة الإنسانيّة العميقة: أنّ العقل والإيمان ليسا خصميْن، بل جناحيْن يحلّق بهما الإنسان نحو الحقيقة.

خاتمة

لعلّ رسائل إخوان الصّفا، وإن كُتبت قبل ألف عام، ما زالت تذكّرنا بأنّ الفلسفة ليست ترفًا، بل جسرًا بين الأديان والعقول، وحوارًا مفتوحًا بين الإنسان ونفسه والكون. وهي دعوة لا تزال حيّة في وجدان كلّ من يؤمن أنّ المعرفة طريق إلى المحبّة، وأنّ المحبّة بدورها هي جوهر كلّ معرفة… v

مقالات ذات صلة:

الإصابة بالعين

الإصابة بالعين (Evil Eye) هي عمليّة الحسد بواسطة العين، وجلب الأذى للآخرين، وإزالة النعمة عنهم، وإلحاق الضرر بطريقة غير منظورة